القراءة في ظل تقنيات العصر
ليس صحيحا ما يقال: إن العرب أمة لا تقرأ، والدليل هو الإقبال على الكتب المميزة في معارض الكتب، ومع أن اقتناء الكتاب لا يعني بالضرورة قراءته، لكن وجوده في المنزل سيتيح فرصا أكثر لقراءته من قبل بعض أفراد الأسرة، والتعود على رؤية الكتاب قد يقود بعض الناشئين للتعود على القراءة في حال وجود من يعتني بهذا الكتاب ويبرز أهميته التثقيفية، ودوره في تعميق المعرفة، ومن الصعب زرع عادة القراءة لدى الناشئين ما لم يكن أحد الأبوين أو كلاهما من ذوي الاهتمام بالثقافة الجادة الرصينة، وإذا كانت الفضائيات هي الشغل الشاغل للناشئين، فإن ما تنتجه هذه الفضائيات في هذا المجال لا يشكل نسبة تذكر مقارنة بما تنتجه في المجالات الأخرى، بل إن هذه الفضائيات تعتمد على الإنتاج الاستهلاكي الآني، والترفيه الذي يسمى بريئا، لكنه غير بريء في شكله ومضمونه، لتأتي القراءة في آخر اهتماماتها، وليست هذه هي المعضلة الوحيدة التي تواجهها القراءة في هذا العصر، بل هناك معوقات كثيرة في هذا المضمار، وأهم هذه المعوقات هي: عدم التعود عليها منذ الصغر، وانشغال الأجيال الجديدة بالثقافة الاستهلاكية، وانهماك معظم أفراد الأسرة بالمشاهدات التلفزيونية، وضغوط الحياة العملية، وارتفاع نسبة الأمية في الوطن العربي، وتدني مستوى دخل الفرد، مما لا يتيح اقتناء ما يريد من الكتب له ولأولاده.غياب الإعلام عن نشر ثقافة المعرفة، وتركيزه على الثقافة الهزيلة التي لا تؤصل للمعرفة الجادة بل تجني عليهاولا ننسى تراجع الاهتمام بالكتاب في المؤسسات الرسمية والأهلية ذات العلاقة بإنتاج وتسويق الكتاب، والجهود في هذا المجال محدودة، بل إنها تسير إلى الأسوأ، فالمدارس خلت أو تكاد من المكتبات المدرسية التي كانت متواجدة وفي جميع المراحل التعليمية، والمكتبات العامة لم تطور خدماتها بحيث يمكنها توصيل الكتاب لمن يريد، إضافة إلى فقرها من الكتب الهامة في الفكر المعاصر، كما أنها لا توفر أجواء مريحة لروادها، وفي مكتبات الجامعات يتم التركيز على الكتب التخصصية، وتهمل الكتب الثقافية العامة التي يمكن أن تعوّد على القراءة، وفي ظل غياب الكتاب الثقافي الجاد والمتعمق في الثقافة الجديدة، لا يمكن للجامعات أن تنتج مثقفين متميزين، حتى وإن أنتجت متخصصين متميزين.ولا ننسى الهجوم الكاسح الذي تشنه على القراءة وسائل التقنية الجديدة في في مجالات التوصيل المعرفي، أو التواصل الاجتماعي، والإفادة والاستفادة من هذه الوسائل بالنسبة للمواطن العربي محدودة، وهي متفاوتة من مجتمع للآخر، ويخضع ذلك لعوامل منها مدى انتشار التعليم، وتزايد الوفرة الاقتصادية، وهذه الاستفادة تتحقق من خلال توفر هذه الوسائل التقنية التي لا تزال بعض المجتمعات العربية محرومة منها لتدني مستوى دخل الفرد فيها، بل وحتى في البلاد ذات الوفرة الاقتصادية التي انشغل أفرادها بالممارسات الاستهلاكية.وإذا كان التعود على القراءة يبدأ من الطفولة، فإن نصيب الطفل العربي من الكتاب كمنتج ثقافي لا يكاد يذكر مقارنة بما هو عليه الأطفال في الدول المتقدمة، وما تنتجه دولة واحدة في الغرب من الكتب والمجلات، قد يساوي كل ما تنتجه جميع البلدان العربية في المجال التثقيفي، الذي أصبح التعاطي معه سهلا من خلال الانترنت، وهو الذي يستحوذ على جزء كبير من أوقات الصغار والكبار، بينما إذا أحسن استخدامه يصبح وسيلة جذب للثقافة الرصينة، وليس وسيلة طرد لها.لذلك فإن استفادة الطفل من الكتاب قليلة جدا، ومعظم ما هو متوفر في هذا المجال مستورد من الخارج، مما يشكل خطرا على ثقافة الطفل العربي الذي ينشأ متشبعا بهذه الثقافة الوافدة، وتابعا لها، بسبب الاستغلال السيئ لوسائل نشر المعرفة وفي مقدمتها الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك غياب الإعلام عن نشر ثقافة المعرفة، وتركيزه على الثقافة الهزيلة التي لا تؤصل للمعرفة الجادة بل تجني عليها، إضافة إلى سوء الإخراج لمادة المنتج الثقافي، إلى جانب سوء توزيع هذا المنتج. ومجمل القول: إن القراءة تأثرت بتقنيات العصر سلبا وإيجابا، ولكن الجوانب السلبية أكثر بروزا في المجتمعات الاستهلاكية، حيث ينصرف الناس عن القراءة التقليدية المعمقة، إلى القراءة السريعة المسطحة التي تقدمها وسائط المعرفة العصرية، وسيظل هذا الحال قائما ما لم يحرص المسؤولون في المؤسسات الثقافية على تسخير هذه الوسائط لخدمة القراءة من خلال التوسع في نشر الكتاب الإلكتروني، كما هو الحال بالنسبة لكثير من الصحف التي أوجدت لها نسخا إلكترونية، حتى وإن لم تتخل عن نسخها الورقية، وكذلك توفير مراكز الثقافة الجماهيرية التي تتيح للجميع- باختلاف فئاتهم العمرية- سهولة التفاعل مع هذه الثقافة استهلاكا وإنتاجا.