د. ابراهيم العثيمين

القصيبي في عين العاصفة

 لطالما بحثت عن كتاب الدكتور غازي القصيبي رحمة الله عليه «في عين العاصفة»، وهو الكتاب الذي ضم مقالاته السياسية التي كتبها في زاويته شبه اليومية في صحيفة «الشرق الأوسط» اثناء الغزو العراقي لدولة الكويت والتي ابتدأت من تاريخ 20 أغسطس 1990م وانتهت بمقالته الأخيرة «حتى نلتقي» بتاريخ 14 يوليو 1991م، ولطالما دب اليأس في قلبي ان اجد هذا الكتاب. حتى جاء معرض الكتاب الاخير في الرياض 2014م ومررت مصادفة بدار جداول للنشر والترجمة فوجدت كتاب «في عين العاصفة» وقد اعادت إصداره في طبعة جميلة انيقة وصورة الراحل وهو ممسك بالجريدة الخضراء اعني جريدة الشرق الاوسط تتصدر الغلاف.عاد بي هذا الكتاب 23 سنة الى الوراء بذكريات جميلة ومؤلمة  استغرقت وقتا طويلا لكثير من الناس خاصة اخواننا في الكويت لتجاوزها اخذت الكتاب وذهبت الى احد المقاهي المزدحمة، جلست في احدى الزوايا متأبطا كتابي وجلس الى جواري من الجهة الاخرى رجل تجاوز الخمسين من عمره، اعتقد ان لديه تاريخا من المصاعب النفسية والعقد البرمائية والهوائية التي تفرز جوا مشحونا بالتشائم، الا هذه قصة اخرى لعلي ارويها لاحقا. ارتشفت رشفة من فنجان قهوتي السوداء واخذت اقرأ في الكتاب. شدتني مقدمة الاستاذ عثمان العمير رئيس تحرير صحيفة الشرق الاوسط يومذاك عن الكتاب وكيف تمكن من إقناع القصيبي بالكتابة في صحيفة «الشرق الأوسط» بعد فترة انقطاع طويلة عن الكتابة بسبب سنوات العزلة البحرينية كما يحب ان يسميها العمير،  وكما روى تفاصيلها الدكتور غازي اقصد قصة عزله من وزارة الصحة وانتقاله الى سفارة البحرين في اكثر من كتاب خاصة كتاب «حياة في الادارة»، يقول العمير عن بداية عودة الدكتور غازي للكتابة، كان القصيبي وقتها عائدا من اجازة طويلة قضاها في لوس انجلس بعد غياب عنها حين كان طالبا فلما رجع وافق غازي ان يكتبها في سلسلة مقالات تحت عنوان «العودة سائحا الى كاليفورنيا». ثم بعد ان فوجئ العالم بغزو صدام حسين للكويت ارسل الدكتور غازي مقالا قصيرا عبر الفاكس بعنوان «المحايدون» انتقد موقف بعض الدول التي اخذت موقف الحياد واعتبرها «اعنف انواع التدخل واخطرها واقل المواقف اخلاقية واكثرها انتهازية». لقي هذا المقال رغم قصره تفاعل كثير من الناس والمسؤولين ثم توالت المقالات حتى شكلت مادة هذا الكتاب.  شعرت فجأة وانا اقرأ الكتاب اني بدأت استعيد ذكريات حرب الخليج، ورغم صغر سني آنذاك الا اني ما زلت اتذكر تلك اللحظات المشحونة بالخوف والرعب وكثير من الذكريات التي لا تنسى. فما زلت اتذكر صورنا ونحن متسمرون لساعات طويلة أمام شاشة التلفزيون وصورة المرحوم سليمان العيسى تخرج بين الحين والاخر مصحوبة بصوت صفارات الانذار «وقوع الخطر» كان صوت الصفارات مزعجا ومثيرا للفزع. الا ان الكارثة الاشد الما بالنسبة لي في تلك الفترة هو ان التلفاز توقف عن بث برامج الكرتون او الرسوم المتحركة كما يسمونها فقد كان ذلك لمن هو في مثل عمري كارثة اكبر من صواريخ سكود، في زمن ما قبل  الفضائيات «ولات حين مناص من القناتين السعوديتين الوحيدتين الاولى والثانية». وما زلت اتذكر كذلك صور الكمامات التي وزعت علينا وذلك بعد ان بدأ صدام حسين بارسال تهديداته بالضرب بالسلاح الكيماوي. لا انسى كلمات جدتي نورة رحمة الله عليها بعد هذا التهديد اننا سوف ننام جميعا في غرفة واحدة (مجلس النساء) وقد جهزت بالمؤونة والمعلبات والطعام سريع التحضير، وقد احكمت اغلاق نوافذها بالأشرطة اللاصقة، كانت تسد النوافذ على حوافها ومتقاطعة كذلك، لماذا متقاطعة؟ ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. كانت لجدتي رحمها الله راديو اسود صغير لف بخرقة سوداء بالية حتى لا تتداعى أجزاؤه، وكانت دائمة الاستماع الى هيئة الاذاعة البريطانية «بي بي سي» أو إذاعة لندن كما هو متعارف عليه. تبدأ رحمة الله عليها بتحريك شوكه الراديو يمينا ويسارا وصوت الاذاعة يصفى ويوشوش طوال الليل حتى نسمع جرس ساعة بيغ بن في البي بي سي فيخرج علينا صوت المذيع محمد الازرق احد اجمل الاصوات في البي بي سي بافتتاحيته «هنا لندن: بي بي سي».  عاد بي هذا الكتاب 23 سنة الى الوراء بذكريات جميلة ومؤلمة  استغرقت وقتا طويلا لكثير من الناس خاصة اخواننا في الكويت لتجاوزها وان كان أثرها النفسي لم يزل باقيا الى الان عند الكثير منهم.  رغم ان الكتاب كتب وقت الازمة وهو اشبه ما يكون بتعليق شبه يومي على بعض الاخبار بطريقة غازي الساخرة في كثير من الاحيان الا انه يعد  وثيقة تاريخية هامة يمكن ان يستفيد منها كثير من الباحثين والمؤرخين. في الكتاب حكاية اجتماعية ضمت تحت عنوان «بعد هبوب العاصفة»، يحاول من خلال مقالات ساخرة ان يشخص سلوك صدام الاجتماعي والفكري. في الكتاب آراء نقدية للجناح الصدامي. ولا يخلو الكتاب من معارك صغيرة هنا وهناك يخوضها القصيبي مع التيار الإخواني داخل السعودية او ما يسمون بالصحويين كمقالة  «قضية القضايا.. وبقية القضايا»، والتوقف عندها بسخرية. وقد ناقشها بإسهاب الاستاذ عبدالعزيز الخضر في كتابة «السعودية سيرة دولة ومجتمع» في ثلاثة عناوين رئيسية «الصحوة السعودية.. والجلطة الحداثية» و«الصحوة السياسية» و«عقل الصراعات» تناول فيها ردود رموز الصحوة عائض القرني، سلمان العودة، ناصر العمر على الدكتور غازي القصيبي في كاسيتات وانتهت بكتاب غازي «حتى لا تكون فتنة». الا ان الكتاب لا يخلو من بعض  الفكاهة والطرافة كمقالة «الحلو والمالح في مبادرة ام صالح».  واخيرا لا يسعني الا ان اشكر صاحب المبادرة في طباعة هذا الكتاب الدكتور عادل الطريفي رئيس تحرير جريدة الشرق الاوسط وكذلك الاستاذ محمد السيف الرئيس المشارك في دار جداول على جهوده المشكورة في اخراج هذا الكتاب. فقد اعادوا لنا غازي بعد ثلاث سنوات من رحيله، فرحم الله الدكتور غازي واسكنه فسيح جناته.