بناء الذّات قبل بناء الأرض
نقيس ونقارن بمعايير علمية، لإعطاء الحكم الصائب، لتسليط الضوء على أنفسنا، لتقديم الحكم العميق على سلوكنا وأدائنا، على أفكارنا ومعلوماتنا، على معارفنا وثقافتنا، على انضباطنا ومشاعرنا، كرّم الله بني آدم، لكن هل استطاعنا تكريم أنفسنا؟! هل استطعنا فهم هذا التكريم وأبعاده؟! هل سألنا أنفسنا كيف ولماذا؟! السؤال الأهم، هل نستطيع قياس التكريم هذا؟! كعرب لدينا الإجابات جاهزة ومغلّفة، حتى التغليف نتخيله من الذهب الصافي الذي لا يصدأ. لدينا القدرة الجدلية لنثبت أننا خير البشر، فوق الآخرين مكانة ومبدأ، ندعي أننا الأفضل لكننا لسنا كذلك، هذا الإدعاء بلوى، كيف تكون النتائج عندما تحل البلوى؟! عندما ينكشف المستور؟! بلوى الإدعاء والاعتقاد الواهم تطيح بعقول أصحابها، عقول تصبح في وضع أشبه بالحمل الكاذب، أشبه بالأواني الفارغة، يسهل على الريح تحريكها، تتعالى أصواتها دون منفعة.لا أجلد الذات، لكن هي محاولة لتشخيص جزء بسيط من أمراضنا التي تقود إلى الكوارث والتخلف والمآسي، بناء الذات المطلب الأول، بناء الذات الأهم في عالم الحضارات وتنافسها على القمم الإنسانيةالوهم يُشكّل أدوات الهدم، الوهم يُغيّب أدوات البناء، يجعلها تتآكل وتتقلص، من هذه الأدوات الحديث بخلاف الممارسة، أيضا العمل بخلاف الاعتقاد، يتحول الحديث إلى نسيج وهمي، بخواطر جاهلة، لا تعتمد على قواعد علمية، أحاديث مجالس لتضييع الوقت واستنزافه، تنظير لا يحقق فائدة، ثم نضيف إليها الكثير من توابل الاطراء والإعجاب الزائف، نؤسس لنجاحات وهمية، ثم نطلب من أجيالنا الجودة، ثم في مراحل أخرى تعيد الأجيال اجترار ما قيل، ثم تضيف أوهاماً أخرى، بجانب هذه الطقوس نتمنى الأحسن والأفضل، تصبح الأماني وظيفة النفوس الخانعة المتقاعسة. الأحسن والأفضل يتحقق بالعمل الجاد الذي نفتقده، تناقض فاضح، يعبّر عن نفوس غير مستقرّة، تقود إلى بناء أجيال بذات متصدعة في أحسن الأحوال لا تفيد ولا تستفيد، ذات خاملة عاطلة يشوبها علامات سوء البناء والتخطيط، سوء الإعداد والتنفيذ، على كل فرد أن يدخل غرفة مظلمة هادئة، أن يغلق الباب على جسمه البديع، خلقه الله في أحسن تقويم، انظر لذاتك، هل تستطيع اعطاء وصف فخور بهذه الذات مقارنة بما هو عليه الآخر، هل تعرف ملامح جودة الذات حتى تتأكد من حكمك على ذاتك؟! فاقد الشيء لا يعطيه، ربما تجد نفسك أعمى لا ترى حقيقة ذاتك، أو تتخيلها مثالية مقارنة بمن تعرف، أخيرا هل يجد الفرد العربي شيئا مفيدا في ذاته؟! البعض يعتقد أن ذاتهم عظيمة، لهم الحق في ذلك الاعتقاد؛ لأنهم جزء من التخلف المحيط بهم، هم سبب خراب الأمة، غير صادقين مع ذاتهم، فكيف يصبحون صادقين مع مسئولياتهم وأمتهم؟! الضعيف نتاجه الضعف والهوان. كل فرد أشبه بخرابة تتحرك في ملابس زاهية ونظيفة ومترفة؟!، انظروا في شوارعكم، في تعاملاتكم وأدائكم، في تصرفاتكم ومواقفكم، في فهمكم واعتقادكم، في انضباطكم وتقيدكم واحترامكم للنظام، الجميع لا يفهم إلا ما يحقق مصالحه الشخصية، وعندما تكون على حساب الآخر تتحول إلى عدوانية، هذا جزء من حياتنا اليومية، تخلّف وضعف وتناقض، تقول التقارير الدولية: إن العرب هم الوحيدون الذين يتخلفون عالميا، حتى الدول الافريقية ثابتة في تخلفها، العرب في تراجع مستمر، هل تعني لكم تلك الحقيقة شيئا؟! تعني أن كل جيل أسوأ من الجيل الذي سبقه. بناء الذات أهم من البناء المادي، يأتي آخرون ينفذونه وينجزونه، في النّهاية نوقع على استلامه، هل نحن في مستوى انجازه وعطائه وإدارته؟! كيف يمكن تحقيق أهداف الانجاز بذات فقيرة بائسة، تتضح الصور مع الممارسات، تصبح واضحة لمن أراد أن يرى الحقائق، هي نفسها الحقائق التي يمكن تعميمها على كل شيء، في النهاية وراءها خطأ بشري، هو (أنا) و(أنت)، هو المجتمع، في النّهاية هو الذات الخاوية التي لا تعرف أن تنعم بالخير والانجاز، لا تعرف الاستمتاع بإنجازات الحضارة، فقط لأن ذاتها لا تحمل شيئا له صلة بهذه الحضارة وذلك الانجاز. الشارع مسرح يمكن اتخاذه معيارا للحكم، نذهب في جولات سياحية لدول أقل امكانية، نعود مبهورين بما شاهدنا ورأينا ولاحظنا، هل تعرفون لماذا؟!؛ لأن النفوس البشرية لأهل تلك الديار تمثل تلك المشاهد الراقية، والطبيعة الفاتنة، ذاتهم أجمل وأرقى مما أنجزوه، هذا الفرق، ذاتنا لا تختلف عن مشاهد الأحياء المتصدعة، والشوارع البائسة والأرصفة المكسرة، لا تختلف عن العمائر المتنافرة، كنتيجة تأتي تصرفات مشينة وغير حضارية، من يستطيع بناء الذات كقصر رائع البناء؟! من يستطيع أن يُجمّل ذاته لتصبح مشهدا ممتعا فاتن العطاء؟!، نفوسنا أيها السادة عبارة عن أحواش بائسة، وساحات مجدبة ناضبة من الملامح الجمالية القوية. لا أجلد الذات، لكن هي محاولة لتشخيص جزء بسيط من أمراضنا التي تقود إلى الكوارث والتخلف والمآسي، بناء الذات المطلب الأول، بناء الذات الأهم في عالم الحضارات وتنافسها على القمم الإنسانية، نحن أمّة لا نجيد بناء الذات، لا نجيد فنون الاتصال مع ذاتنا، لا نجيد شيئا غير (الرغي) اليومي الذي يثمر زبدا غير مفيد، نكذب ونخدع أنفسنا، لا نجيد احترام النعمة والانضباط، لا نجيد فنون احترام النظام والقانون، لا نجيد الاستمتاع بالانجاز. نأتي بآخرين يكنسون مخلّفاتنا الظاهرة، لكن كيف يمكن لنا أن نأتي بآخرين يكنسون المخلّفات التي بداخل ذاتنا؟!، نحتاج إلى تربية الذات بقوة القانون والنظام، وصلنا مراحل من الخواء لدرجة استجداء الناس لتطبيق النظام، سيارة أمامك تعطي إشارة للانعطاف، بدلا من إعطاء الفرصة نظاما تزيد السرعة لمنعها، هكذا يمكن القياس في كل شيء. تعرف أن ذاتك عبارة عن كومة من المغالطات رغم معرفتنا بمؤشراتها، لا نعيش الانضباط رغم معرفة مؤشرات فوائده، فقط لأن بناء ذاتنا لم يتحقق، حتى في وجود زخم التنمية التي نعيشها على جميع الأصعدة، وصلنا مرحلة من البؤس حتى أصبحنا نتحدث بلغة ونكتب بلغة ونقرأ بلغة، نظل نتمنّى، هذا مؤشر الإفلاس الذي أرجو العمل لتجنبه.