«دعاة الإصلاح» المفسدون
حتى لا يساء فهم هذا الكلام علينا أن نتقدم بالتقدير والامتنان إلى دعاة الإصلاح في بلادنا، الذين يريدون الخير لهذا الوطن الغالي، ويسعون للوصول به إلى أرقى مراتب التقدم والازدهار، ليبقى دائما في مقدمة الدول تطورا وتحضرا والتزاما بالخطط التنموية الطموحة، وتقيدا بمبادئ الأمن الإقليمي والسلام العالمي. لكن ما نريد قوله: هناك من يدعون وصلا بالإصلاح والإصلاح بريء منهم، لأن ادعاءهم يمتطي مراكب التشويه ليصل إلى أهدافه المشبوهة، وأقول المشبوهة لأنه يبنى على باطل، ولو أردنا البحث عن مظاهر هذا الباطل لوجدنا دعاوى الإصلاح لديهم تتخذ أساليب معوجة للوصول إلى غاياتهم، وأول هذه الأساليب الهروب من مواجهة الواقع، واللجوء إلى الأكاذيب، والبقاء في إحدى العواصم الأجنبية لينعموا بما تغدقه عليهم جهات معروفة نذرت نفسها وإمكانياتها للفتنة والضلال، ثم تراهم يتحدثون بعد ذلك عن الفقر وهم غارقون في ترف العيش، ويتحدثون عن أزمات البطالة والسكن والفساد، وغير ذلك من الشعارات التي تحدث جعجعة دون طحن، وضجيجا دون إنتاج، فهم يلبسون ثياب الإصلاح في النهار، وثيابا أخرى في الليل، ويتخلون طواعية عن أدوارهم الوطنية المزعومة، بالعيش في حماية إحدى الدول المعروفة بعدائها السافر لبلدهم، أو في دول أخرى تُستغل حرية الرأي فيها لصالح الغايات التي يسعون لتحقيقها، مما يضعهم في دائرة الشك.هؤلاء أكثر الناس بعدًا عن الإصلاح، بعد أن اختاروا الهروب إلى الخارج، بدلا من مواجهة تحديات الواقع بواقعية ووعيوبشعارات الإصلاح وما يندرج تحتها من عناوين كثيرة، يروجون لبضاعة كاسدة فاسدة، تفتقد المصداقية، وتعيش في خيال لا يرتبط بالواقع بأي شكل من الأشكال، وهم في ذلك لا يخونون أوطانهم فقط، بل يخونون المبادئ التي يؤمنون بها، هذا إن كانت لديهم مبادئ! فهم يعيشون في أحلام يغذيها التمويل الأجنبي، وهي حقيقة يحاول نفيها كل من ينضوي تحت لواء هذا الخداع، ولولا هذا التمويل لما استمرت قنواتهم الفضائية المثيرة للفتنة، وصحفهم الورقية والإلكترونية المثيرة للرثاء، والإعلام المأجور هو إحدى الكوارث التي منيت بها البشرية على امتداد تاريخها، وإن تعددت أساليبه وتنوعت طرق تنفيذه، وتغيرت أهدافه وغاياته، لكنه في هذا العصر أشد خطورة بعد أن سخرت له وسائل التقنية الحديثة، وأصبح أكثر انشارا وفاعلية وتأثيرا على عقول الناس. هؤلاء هم أكثر الناس بعدا عن الإصلاح، بعد أن اختاروا الهروب إلى الخارج، بدلا من مواجهة تحديات الواقع بواقعية ووعي، وتقدير الظروف التي أفرزت هذه التحديات، والمشاركة في البحث عن حلول لها، إنهم بهذا الهروب واحد من اثنين، أحدهما لا يثق بما يدعو إليه، وثانيهما مرتزق رهن فكره لمن يدفع أكثر، أما ما يقال عن المعارضة فهو وهم كبير، لأن المعارض يفترض أن يواجه من يختلف معه، لا أن يهرب منه، فمن يعارضون إذن؟ الوهم؟ الخيال؟ أم الهباء المنثور الذي تنتجه عقولهم المريضة ونفوسهم الاكثر مرضا، حقدا وتآمرا على أوطانهم ومواطنيهم؟ وفي ظل هذا الجبن وعدم الشجاعة في مواجهة الواقع، نؤكد على عدم مصداقية ما يوهمون الناس به من دعاوى الإصلاح، ولو أنصفوا لسموها دعاوى الاسترزاق بالباطل. وقد ابتليت بلادنا بهذا النوع من الوباء الذي يعتقد المصابون به في الناس انهم لا يفكرون فيما يسمعون، ولا يتأملون ما يرونه، ولا يدققون فيما يساق لهم من أكاذيب لا تملك القدرة على الصمود، وأمام وعي المتلقي وإلمامه بأسرار هذه اللعبة الإعلامية القذرة، ومعرفته بدوافعها وغاياتها، نرى هذه الحالة من عدم التوازن النفسي التي يعاني منها بعض أدعياء الإصلاح، عندما لا تجري الرياح بما تشتهي سفنهم الخاصة، وهي تعبر بحار الأطماع والأحقاد محاولة الإساءة للوطن الغالي، والنيل من منجزاته ومكاسبه الرائعة، وتلك بحار قادرة على ابتلاع كل ما قد يجري على سطحها من غرائب وشوائب، إن طفت حينا فمصيرها في النهاية إلى زوال، أو هي كالرمال المتحركة.. كلما تقدم الإنسان فيها ابتلعته أكثر وأكثر. لتصبح النيتجة كارثية لا مفر منها.