حسن السبع

عريف الفُوهْرَر.. واستطرادٌ لا بُدَّ منه

  فُوهْرَر بالألمانية تعني القائد. وهو لقب أطلق على الزعيم الألماني أدولف هتلر. ويحكى أنه كان يتفقد الجبهة ذات ليلة،  فمر بجندي مكلف بحراسة أحد المواقع. كان الجندي مخمورا، فاستوقف الفوهرر، وطلب منه بغطرسة أن يشعل له سيجارته. ابتسم هتلر، وأشعل للجندي السيجارة. لكنه قبل أن يواصل جولته التفقدية، سأل الجندي قائلا: «هل تعرف من  أنا»؟ قال الجندي باستخفاف: «وما عسى أن تكون؟ الفوهرر»؟ قال هتلر: «أجل..  أنا هو». كاد الجندي  أن يقع مُغْمَى عليه. وأمام ارتباكه وجزعه قال هتلر مربتا على كتفه: «لا عليك! لكن حذار أن تتصرف  هكذا مع عريفٍ في فرقتك، لأنه سوف يشنقك». تلفَّتْ حولك وستعثر على نسخة من العريف الذي أشار إليه الفُوهْرَر.  أشرت إلى هذه الحكاية قبل زمن طويل، وفي سياق آخر، وقد تكون مجرد نكتة أو حكاية مختلقة، لكن ما يهمنا هنا هو دلالتها. وهي أن الكبار يبقون كباراً، ومن النادر أن يشكل التعامل معهم مشكلة. أما التعالي والغطرسة فهما وسيلة للتعويض عن نقصٍ ما. وهما من شيم الصغار، صغار الرتب ومحدودي المعرفة، وأنصاف المثقفين، وأرباع الأدباء والفنانين. تلفَّتْ حولك وستعثر على نسخة من العريف الذي أشار إليه الفُوهْرَر. لكل قاعدة استثناء. لكنك قد لا تشعر بالقلق عند تعاملك مع رأس الهرم في إحدى إدارات القطاع العام، فهو في الغالب أكثر تفهما وأريحية، وأقل تسلطا ممن هم دونه. وفي المقابل، قد يزعجك التعامل مع الموظف الصغير بسبب تقلبات مزاجه واجتهاداته وطريقة تفسيره للأنظمة وحماسته في تعقيد المعقد أصلا.  كذلك هي الحال في الشأن الثقافي، فإنه كلما ازداد المرء معرفة أصبح أكثر تقبلا للعالم واختلافاته وتنوعه، وأقل اعتدادا بنفسه. فهو في رحلة دائمة بحثا عن الحقيقة. يتروى ويفكر ويتمعن ويسأل ويحلل ويستنبط. وهو أقدر على الإصغاء واستيعاب الرأي الآخر.  ولذلك قيل: «من يعرف كثيرا يغفرْ كثيرا». يقول جورج برنارد شو: «احذروا المعرفة الزائفة فإنها أخطر من الجهل»! وإذا ما تأملنا هذه العبارة على ضوء ما يجري حولنا من أحداث، فسنجد أن الذين يديرون آلة التطرف، ويشبُّون نار الفتن، ويؤججون حرائق الكراهية في كل أنحاء العالم، هم أولئك الذين نموا كطحالب على هامش غابة المعرفة. وهم الذين تم حشو رؤوسهم بمعارف زائفة. وشبيه بهم أولئك الذين عناهم بنجامين فرانكلين بقوله: «احذروا من لم يقرأ إلا كتابا واحدا». وبعيدا عن حرفية العبارة فإن المعنيَّ بذلك أحاديو الرؤية. تتعدد الكتب التي يقرأونها لكنها نسخ من كتاب واحد برؤية واحدة. ومن ثم فإنهم لم يقرأوا إلا كتابا واحدا. وفي الغالب فإن خريج تلك الثقافة الموجهة المحدودة حادّ واستبدادي وصدامي.    لكنّ المعرفة وحدها لا تكفي. وفي الفيلم الأمريكي «ناس أذكياء» smart people بطولة الفنان دنيس كويد، يمثل كويد شخصية أستاذٍ  للأدب الإنجليزي لامعٍ وذكيٍّ وكاتبٍ واسع المعرفة. غير أنه متغطرس ومصاب بتضخم الذات و «صفر» في التواصل الاجتماعي، وفي التعاطف مع الآخرين. لا يعرف اسم طالب واحد ممن درسهم، فهم جميعا نكرات، ومنهم من تتلمذ على يديه لمدة فصلين دراسيين أو أكثر. وهنا مكمن الخلل. فالكِبْر والتعالي قبيح إذا جاء من الصغار، مثل عريف الفوهرر، لكنه أكثر قبحا إذا اقترفه الكبار. مما يعني أن المعرفة وحدها لا تكفي لكمال صورة المثقف.