«عبودية الآلة».. الكائن المتوحش التلقائي..!
يبدو أن الإنسان يتحول تدريجياً إلى أن يكون آلة، يتبرمج، ثم يصبح كائناً «تلقائياً»، ويعمل ويقرر ويفرح ويحب ويكره ويغضب تلقائياً..وربما يأتي اليوم الذي يخرج أحدهم عن طوره، فيرتكب جريمة أو جرائم، ثم يقدم مبررات أن «النظام» قد تعطل، أو بلغة التقنولوجيين، «السيستم هنغ»، ويحتاج إلى إعادة تشغيل..ولا يبدو ذلك مستحيلاً، بعد أن تساقطت كثير من المستحيلات، لأن بوادر هذا الجنون القادم تتوارد و«تترى»، إذ بدأت عبودية الآلة تشكل ثقافتها وأيديولوجياتها الخاصة، مثل أن يخجل المرء من التفوه بعبارات وجهاً لوجه مع آخرين أو بحضورهم، لكنه يصبح جريئاً وأحياناً فاتكاً بذيء الطرح قليل أدب في شبكات التواصل الاجتماعي.وكلما رأيت الناس يغرقون في جولاتهم وآلاتهم المتحركة، وينسون أنفسهم وكل من حولهم، أتذكر عبارة لا تزال تتبدى في ذهني، للأديبة الإمارتية عائشة الكعبي في حديث لـ«اليوم» في شهر سبتمبر، فقد أجابت عن سؤال «كيف ترين الأجيال السابقة والجيل الحالي؟» بقولها «جيلنا كان أكثر حظا من الأجيال الجديدة التي استعبدتها التكنولوجيا فلم تترك لها فسحة من الوقت للتأمل، واكتشاف جمال العالم البكر، بين دفتي كتاب أو من على غصن شجرة، أو تحت قدمين عاريتين إلا من تراب».وقد أصابت كبد المسألة، «العبودية التقنية».. والتهاء الأجيال بالرسائل النصية وبتغريدات تويتر، وأكثرها مشاغبات ومناكفات ومعلومات قشرية مبتورة، ومبتسرة و«ساندويتشية» وأحياناً «مكيفة» طبقاً لهوى المغرد وتوجهاته ولواعجه، وحتى مشاجراته العابرة المليئة، أحياناً، بمآذ وبذاءات هوجاء عاصفة.وهذه العبودية تنتج، كما يبدو، ربع مثقفين وربع واعين، وربع راشدين؛ لأنها تملأ فراغ المستخدمين وتشبعهم، عن القراءة والاطلاع الأوسع. مثل الحلويات التي تشبع وتمنع المرء عن تناول الوجبات المفيدة، ليصاب في النهاية، بفقر دم وأمراض تغذية متنوعة. والذي لا يصدق، فعليه أن يطوف في صفحات تويتر، حيث يجد كثيراً من الأذهان صحراء جرداء قاحلة، وطروحات خواء، وزبداً لا يمكث بأي أرض أو قلب.وهذه السطحية والعزلة والتماهي مع الآلة، ستبلد، حتماً، الإحساس لدى الأجيال القادمة، وتميت المشاعر الإنسانية، هذا إذا ما أتاحت الآلة لهذه المشاعر أن تنمو بطريقة طبيعية. ثم يتحول الكائن البشري تدريجياً من «اجتماعي» إلى كائن «آلي» متوحش و«تلقائي». هذه ضريبة غالية سيدفعها الإنسان، إن تخلى عن رشده، وأعطى للآلة قداسة أكثر من كونها وسيلة، لتستعبده. وترهذه خيوط الشمس، تمتزج بماء السيف..وفي الشفق.. خصل شعر.. وقامات أثل..وأطفال يلهون في سفوح تلال الرمل..يودعون يوماً من العمر..ويكتبون صفحة جديدة بضوء الشمس والماء.