مطلق العنزي

«القمم» الأكثر تنغيصاً وتميعاً..!

كان العرب من الخليج إلى المحيط، يلاحقون أنباء عقد اجتماعات القمم العربية باهتمام وبشوق، بل وبـ «لهفة» انتظاراً لقرارات مصيرية، قبل أن تتحول القمم في سنواتها الأخيرة إلى بروتوكولات، واستعراضات بلاغية فارغة وأحياناً لاختلاقات وتضليل مقيت. وأصبحت القمم الآن مجرد «مقهى» مجاملات، وكل وفد يرى أنه الأهم والمهم ولا يرى داعياً لتقديم أي تنازل لصالح التضامن والعقل والمنطق والأمة ودمائها السيالة وكرامتها المهدورة.ولم تكن القمة العربية الأخيرة خارج المألوف التقليدي المجاملاتي، على الرغم من أن الذي أدارها سمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد. وهو زعيم يتسم بالحنكة والحكمة وبخبرة طويلة في مجادلات الدبلوماسية ومكابدة تمنعاتها و«تميعاتها»، ومر عليه صنوف وأصناف من أنواع الزعماء ومزاجياتهم، من «الصنف» الذي كان يود تحرير العالم وتتويج نفسه امبراطور الدنيا وفاتحها، إلى «الصنف» الذي تتغير أفكاره وقراراته في كل ساعة مع أحلام اليقظة، لكن يبدو أن حال العرب أصبحت عصية على أي خبير أو طبيب، ما لم تتنزل عليها رحمة ربك.والعجيب أن كل الوفود العربية تتحدث عن «التضامن» و«الطموحات» و«الآمال» و«كرامة الأمة» و«الظروف الدقيقة». وينفض الاجتماع، والعرب أكثر تفككاً، والطموحات سريعة الذوبان، والآمال تتحول إلى حصى، والكرامة العربية تتلقى الإهانات في الجبين والبطن والظهر ومن كل حدب ومن كل صوب، والظروف الدقيقة تزداد دقة وخطراً ووبالاً..!ويلاحظ - منذ عقود - أن البيانات الختامية باتت إنشائية جداً وثقيلة وتطول وتتضخم، لأن القضايا تتزايد والمشاكل تتراكم.وكل سنة تضاف مشاكل جديدة إلى حساب الأزمات، حتى فقد العرب أي أمل في الإصلاح مثلما فقدوا شهية متابعة أخبار القمم وزعمائها، وكثير من العرب يحجمون عن سماع أخبار القمم كي لا يزدادوا تنغيصاً.ووصلت الحال إلى مفترق طرق، والأمل في رئيس القمة العربية الـ «25» الشيخ صباح الأحمد، أن ينجز اختراقاً للحال المرضية، وأن يحضر مباضعة ويتهيأ لإجراء جراحة استئصالية لحال السبات و«اللهمدة» ويضع الزعماء أمام الحقيقة المرة وهي أنهم إن لم يصححوا من أوضاع الأمة، وإن لم يهجروا نزعة الفردية الجنونية هذه، فلن يكونوا زعماء، ولا حتى مديري عزب، لأن الزعامة تعني الإنجاز لخدمة الأمة وتاريخها وقضاياها. أما التنعم بالكراسي والمناصب، فهو طموح موظفين لا أكثر.والمفروض أن يقدم جهاز الجامعة العربية وأمينها، خطة لإخراج الأمة من هذه الحال المزرية، وأن يضعوا قواعد عمل لحل المشاكل، بما في ذلك سن عقوبات على البلدان التي تسهم في الإرباك والمشاكل. ونجح سلاح التهديد بالعقوبات في وقف الحرب الأهلية في لبنان عام 1989، حينما هدد العرب نظام سوريا بالعزلة وإعلان أنه سبب استمرار المشكلة اللبنانية، ما لم يتعاون، وفعلاً خشي العزلة وتعاون وتوقفت محرقة الحرب اللبنانية.  وترالعربية البهية..تتوسد همها والسهد وصداع آلات الضجيج..تحدق في لهب النار يلتهم الحقول والأفئدة، وكتب التاريخ..تمد يدها لأقدار الدنيا..وتتوسل: كسرة خبز وبضع كرامة وقطرات دم..وفسحة من عذاب السياط.. وقليل من الموت.