محمد السماعيل

الاقتصاد نصف المعيشـة

العملية الاقتصادية لا تقتصر على الإجراءات التي تتبعها دولة أو حكومة بوضع موازنتها كل عام، أو شركة أو مؤسسة تخطط وفقًا لميزانية سنوية، وإنما هي سلوك عام في كل مجال حتى عبّى الصعيد الفردي، فنحن نصبح اقتصاديين حينما نعمل على الإنفاق على احتياجاتنا وفقًا لمدخولنا المالي، سواء كان مرتبًا أو أرباحًا وعوائد من نشاط تجاري، وحين نتصرف ماليًا بحسب قدراتنا الشرائية، فإننا نمارس عملية اقتصادية، بينما البعض من لا يحسبها كذلك.في الأعراف الاجتماعية يقال إن الاقتصاد نصف المعيشة، وهو قول بليغ أرجو ألا يسيء فهمه الشحيحون والبخلاء على أنه تأييد لبخلهم، وتبرير على تقتيرهم على أنفسهم وأهلهم، وإنما المقصود أن نحسن تدبير ما لدينا من أموال وإنفاقها دون إسراف أو تفريط، أي نكون منطقيين ومعقولين في الصرف، فلا يُعقل أن نخطط لصرف مائة ألف ريال - على سبيل المثال - وكل ما يدخل علينا لا يتعدّى خمسين ألفًا، وبقليلٍ من التدبير الحكيم والمتوازن يمكن أن نستمتع بالتصرف في الخمسين ألفًا كما لو كانت خمسمائة ألف.في الأعراف الاجتماعية يُقال إن الاقتصاد نصف المعيشة، وهو قول بليغ، أرجو ألا يُسيء فهمه الشحيحون والبخلاء على الصعيد العائلي والاجتماعي لا يبدو أننا نجيد إعداد ميزانياتنا الخاصة والصرف بصورةٍ متوازنة، ولذلك فإن فكرة "الاقتصاد نصف المعيشة" تبدو غير واقعية؛ لأنه لا أحد يطبّقها بصورةٍ سليمة، فنحن نسرف على أنفسنا بصورة مبالغ فيها، وتنتهي بنا الى مشاكل لا حصر لها، واعتقد أن كثيرين لا يمر أسبوعهم الأول من الشهر إلا وأنفقوا كل ما يدخل عليهم في أول أيام الشهر، سواء كان راتبًا أو دخلًا من مصلحة ما، لتبدأ دوامة الاستدانة من هنا وهناك، وتقضية الحال على هذا النحو الى أن ينتهي الشهر، وهكذا.ولعل أسوأ ما في الموضوع هو ما يتعلق بمسؤولياتنا تجاه أسرنا، وذلك للأسف، أمر يبدأ من الزواج الذي نصرف فيه بطريقةٍ غير اقتصادية تنطوي على إسراف وإفراط وتفريط، وعلى سبيل المثال، يُقدِّر الاقتصاديون أن تكلفة الزواج في مجتمعنا تصل إلى أكثر من ملياري ريال سنويًا، وهو مبلغ هائل، رغم علمنا بالنهي عن الإسراف، وأن "أقلهن مؤونة أكثرهن بركة"، ولكننا مع ذلك نمارس رذيلة الإسراف، ولذلك لا أستغرب عدم البركة فيما لدينا؛ لأننا لا نحسن تقدير النعمة التي لدينا، ولذلك تتعزز حاجتنا إلى التفكير بصورةٍ اقتصادية، وتقليل "روحات وجيات" المولات والأسواق التي لا لزوم لها؛ لأنها تغري بالشراء والحصول على أشياء قد لا نحتاجها فعلًا، وبحسب ذلك فإننا نصاب بتضخم في وعينا الاستهلاكي على نحو تعبئة السيارات بأغراض استهلاكية حين نذهب الى "السوبر ماركت"، ونشتري أشياء كثيرة تنتهي الى النفايات في غالبها، لعدم الاستفادة منها أو الاحتفاظ بها الى أن تنتهي مدتها، وتصبح غير صالحة للاستخدام والاستهلاك الآدمي، وكل ذلك مسؤولون عنه عند مَن أنعم علينا بذلك، وحتى لا نقف أمامه "تعالى" دون إجابات سليمة في يوم الحساب لا بد من العودة الى رشدنا، والكف عن هذا المستوى الاستهلاكي غير الصحي، فهو خطر علينا دينيًا ونفسيًا وماليًا واجتماعيًا.