محمد السماعيل

نحو استراتيجية إعلامية حصيفة

للعمل الإعلامي رسالته وأخلاقياته التي تحكم التعاطي مع الكلمة، بوصفها أمانة تبني وتهد أكبر البنيان، وبدون التزامات وضوابط تحكم عمل وسائل الإعلام، يصبح عملها هادما وسلبيا، فدورها المؤثر والفاعل في صياغة وتشكيل الرأي العام وتنويره، يخضع لمعطيات كثيرة من واقع ومعطيات النظريات الإعلامية التي أطرت منهج وأسلوب الرسالة الإعلامية، بدءا بنظرية الرصاصة السحرية التي ترى أن الرسالة تسلك مسار الرصاصة، رغم دحض بعض أجزاء هذه النظرية، ولكنها في المجتمعات البسيطة واقعية، إذ يكون التلقي ساذجا وفوريا بمجرد التقاط الرسالة.يحتاج الإعلام العربي لتحقيق ذلك الالتزام المصداقية، والقول السديد الحسنفي العالم العربي، هناك نسبة كبيرة من المجتمعات البسيطة، التي لم ترتق الى مرحلة المجتمعات المعرفية، أو التي يسودها غطاء واسع من الوعي والتحليل، مما يسمح بسريان نظرية الرصاصة، وبالتالي التزام وسائل الإعلام بآداب العمل الإعلامي وأخلاقياته وفي مقدمتها المصداقية والالتزام بأمانة الكلمة، وعدم تضليل المتلقين الذين يمتلكون حقوقا تلقائية في الحصول على خدمات إعلامية صادقة وهادفة، لا تسمح باختراق بساطتهم لصالح برامج ومشروعات نفعية، لصالح جهات تسعى لتشكيل الرأي العام لصالحها، دون النظر لقناعات وخيارات المتلقين الأبرياء.يحتاج الإعلام العربي لتحقيق ذلك الالتزام المصداقية، والقول السديد الحسن، لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً»، كما نحتاج إلى البعد عن التشهير وقول الجهر بالسوء لقوله تعالى: «لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلًِ»، كما على إعلامنا العربي والإسلامي أن يتحرى الموضوعية في الطرح وتداول القضايا والالتزام بالحق المطلق، وذلك لقوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ»، وعلى إعلامنا كذلك تحمل المسؤولية الإعلامية كما قال تعالى: «مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» وعلى إعلامنا أيضا التثبت من صدق النبأ قبل نشره لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ».تلك ملامح من الأخلاقيات المهنية التي تحكم التعاطي مع الخبر والكلمة، وينبغي أن نعمل بها دوما، خاصة وأن الخطاب الإعلامي يوجه إلى شرائح بسيطة لا يملك أغلبها الأفق اللازم لتحليل معطيات ذلك الخطاب، ودون مجهود أخلاقي في تحري الصدق والصناعة الإعلامية الموضوعية المبرأة من عيوب الغرض، وتضليل المتلقي، فإننا نتعرض لضغط قيمي وأخلاقي يهدم خيارات المجتمعات، ويجعلها سهلة الاختراق وغير قادرة على انتاج وعي ضروري، يواكب تطور العصر وصناعة مستقبل من صميم الفكر الذاتي للمجتمعات، وقناعاتها وتلك مسؤولية مضاعفة لوسائل الإعلام التي ينبغي ألا تشتغل بالمواد الترفيهية غير المجودة على حساب الهادفة التي تفتح الآفاق وتضيء العقول.دور وسائل الإعلام مهم للغاية، خاصة في المرحلة الحضارية الراهنة، حيث أصبحت لها خطورتها وتأثيرها العميق في صناعة الرأي العام، وتطوير قدراته لمواجهة تحدياته بوعي وإمكانيات فكرية تحلل وتبحث وتهتم بالمضمون الإعلامي، باعتباره موجها ومحفزا لتحديد خياراتها ومساراتها في جميع القطاعات الحياتية، مما يجعل للحقيقة قيمتها الكبيرة في نشاط الإعلام خاصة في عالمنا العربي، حيث يوجهنا الأدب الإسلامي لقيم الدين ويلزمنا باحترامها في كل ما يتم بثه ونشره، كأمانة في الأعناق، وليس مجرد تجارة بالكلام والصورة.