د. ابراهيم العثيمين

الرياض – بكين ومحاولة جمع الصناديق المنفصلة

اختتاما للمقالات التي أخذت بالرصد والتحليل اهمية جولة الامير سلمان بن عبد العزيز الآسيوية التي شملت كلا من باكستان واليابان والهند. واختتمها بالصين، محطته الاخيرة. هذه الجولة التي اتسمت بالبعد الاستراتيجي لدول ذات ثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي في القارة الاسيوية. وبالتالي فإن الحديث في -مقال اليوم- سيكون وقفة سريعة على آخر محطات الامير سلمان الاسيوية وهي الصين وحرص البلدين على تطوير علاقات الصداقة الاستراتيجية بينهما. فالصين بلا شك دولة كبيرة ومؤثرة في الشؤون العالمية خاصة في ظل انتقال مركز الثقل الدولي من منطقة عبر الاطلنطي الى منطقة الباسفيكي.على الصين اعادة التفكير في انها ليست مجرد شريك اقتصادي وانما شريك استراتيجيفالصين مرشحة لقيادة العالم اقتصادياً في الاعوام القادمة، وهو ما دفع إدارة أوباما في 2009 الى اطلاق الحوار الاستراتيجي- الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة على خلفية هذا التراجع الاقتصادي الكبير للولايات المتحدة، فالاقتصاد الصيني - حسب رأي كثير من خبراء المال والأعمال - أصبح يهدد السيادة الأمريكية على الاقتصاد الدولي. ففي حين لم يكن الاقتصاد الصيني يتجاوز 6% من حجم الاقتصاد الأمريكي في مطلع الستينيات أصبح الآن يتجاوز 50% من حجم الاقتصاد في الولايات المتحدة ومرشح الى الارتفاع. وعليه فإن الصين اصبحت مساهما ديناميكيا فاعلا في الاقتصاد العالمي واستمرارها في الصعود يمكن أن يمثل تحولا في طبيعة النظام الدولي، واشارة إلى العالم متعدد الأقطاب.من هذا المنطلق لا بد من التعامل مع الصين بجدية شديدة كما يحدث مع القوى الرئيسية الاخرى في العالم كروسيا وبريطانيا والمانيا وفرنسا. وعلى الصين في نفس الوقت اعادة الجمع بين مصالحها في الخليج وسياستها تجاه الخليج واستقرار المنطقة. فالصين تستهلك قرابة الـ40% من نفط الخليج 2012، 18% منه من السعودية. كما ان حجم التبادل التجاري بين دول الخليج وصل الى 130 مليار دولار عام 2011. والتبادل التجاري مع السعودية وحدها تجاوز 73 مليار دولار 2012. وعليه فإن مصالح الصين الاساسية المتعلقة بالنفط والتجارة ترتبط الى حد كبير بتفاعلاتها مع منطقة الخليج.ومع ذلك فإن السياسة الصينية في منطقة الشرق الاوسط لا تبدو مواتية الى حد كبير لمصالح دول الخليج بشكل عام والسعودية بشكل خاص، فعلى الرغم من ان الصين لم تقم بخطوات يمكن تصنيفها بشكل مباشر على انها تهديد، الا انها لا تتبع سياسات يمكن ان تدفع السعودية الى تصنيفها على الاقل صاحبة دور ايجابي في استقرار المنطقة يتناسب مع مصالحها العريضة فيها.ويمكن ارجاع ذلك الى ان الصين ليس لديها سياسة خارجية بالمعنى الواقعي الحقيقي الا فيما يتعلق بالمنطقة المحيطة بها في جنوب وشرق اسيا، والتي ترتبط بمصالحها الحيوية، اما بالنسبة للمناطق الاخرى، فإن سياستها الخارجية تسير وفق خطوط عامة تتعلق بمواجهة الولايات المتحدة، والحفاظ على مصالحها الثنائية، كما هو الحال بالنسبة لسوريا.فسياسة الصين تجاه سوريا سياسة داعمة لنظام الاسد، وان كانت ليست بقوة الموقف الروسي والايراني، وذلك في اطار خشية الصين من تصفية الولايات المتحدة للبؤر المناوئة لها في المنطقة، بما قد يتيح لواشنطن مستقبلا ترتيب اوضاع الشرق الاوسط، بصور قد تضر بمصالح الصين. كذلك السياسة الصينية تجاه ايران وهي سياسة اقرب ما تكون سياسة داعمة لتوجهات ايران النووية، مع عدم ادانتها لسلوكيات ايران التدخلية والتخريبية في منطقة الخليج بشكل خاص والمنطقة العربية بشكل عام، واحتلالها الجزر الاماراتية الثلاث ومحاولاتها المستمرة في زعزعة استقرار وامن عدد كبير في دول المنطقة.ويمكن تفسير هذا التناقض الواضح بين مصالح الصين وسياستها الى الطريقة التي تتعامل بها الصين مع الدول الاخرى. فالصين تتعامل مع الدول على طريقة «الصناديق المنفصلة، اي دولة دولة دون النظر لعلاقات تلك الدول الاقليمية البينية، ودون النظر للكيفية التي تفكر فيها كل دولة في مصالحها الخاصة.فالسياسة الخارجية الصينية سياسة تجارية بحتة لا تهتم بتحليل السياسة الخارجية للدول التي يتعاملون معها او انعكاسات التغيرات الداخلية في تلك الدول على توجهاتها الخارجية، فهم يركزون فقط على مصالحهم مع الدولة الهدف والتي تتمثل في التجارة والاستثمار واستيراد المواد الخام. فالصين يمكن ان تدخل مع أي دولة في اتفاقات تجارية دون حسابات معقدة للاعتبارات السياسية المحيطة بما تقوم به، وذلك في ظل قناعة الصين بأنه طالما انها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول فإن البيزنس الصيني سوف يستمر وينتعش.لهذا بدأت الصين تتفاجأ في اكثر من منطقة، ومنها ما حدث بشأن انهيار سياستهم في السودان، او اضطرارهم لتنفيذ عملية اخلاء رعاياهم في ليبيا او سوريا او تعرضهم لانتقادات حادة في عدة دول افريقية، تمس سياستهم الاقتصادية ذاتها. وبالتالي كانت زيارة الامير سلمان بن عبدالعزيز الى الصين تمثل اهمية خاصة في بدء تأسيس معادلة جديدة نسبيا للعلاقة بين الرياض وبكين وحوار سياسي جاد، خصوصا وأن هناك استعداد صيني داخلي لتقبل مراجعة الاوضاع الحالية في اتجاه بناء سياسة خارجية مختلفه تعمل على الجمع بين مصالحها في الخليج وسياساتها تجاه الخليج. فستظل الصين تعتمد على اكثر من 50% من احتياجاتها من نفط الخليج، وذلك لاستمرار تفوقها الاقتصادي، مما يزيد من حساسية الصين ازاء منطقة الخليج.فأمن الطاقة على صلة وثيقة بالأمن الإقليمي الخليجي، وإن أي انقطاع لإمدادات النفط من الخليج سيسبب عواقب كارثية على الاقتصاد الصيني. وبالتالي فعلى الصين اعادة التفكير في انها ليست مجرد شريك اقتصادي وإنما شريك استراتيجي لديه مصلحة واضحة في دعم امن واستقرار منطقة الخليج في وجه التهديدات.