فساد الإقناع
أسوأ ما يمكن أن تفعله بأفكارك، أن تسجن عقلك في حدود استيعاب معينة، أبسطها أن تتلقى الأخبار والمعلومات المتداولة سواء عبر وسائل الإعلام الرسمي أو غير الرسمي بالتكذيب دائما على أساس أنك العالم الذي لا تنطوي عليه تلك الحقائق المزيفة، أو أن تنتهج العكس، فتصدق كل ما يطرق سمعك ويقف أمام عينك بدون تمعن أو إدراك ووضع مساحات موضوعية تحتمل الصدق وعدم الصدق. ويبدو أن الحالة الأولى في الأغلب هي المسيطرة على التفكير الجماهيري، ففي ظل الانقسام في الأفكار السياسية والرؤى الاقتصادية بين الناس وتفاوت درجات المواطنة والولاء بين عامة الأفراد في كل مجتمعات العالم، يحدث أن كثيرين يتخذون الموقف الذي يأخذ بالتكذيب المطلق لكل خبر ومعلومة تصدر من الإعلام الرسمي مثلا، أو يشككون بها بدرجة عالية، بينما يتعاملون مع بعض الشائعات المسربة على أنها حقائق ويتفننون بتحليلها وتأويل أسبابها، كما أنهم يصمون أي شخص يتحدث بإيجابيات معينة تخص جهازا رسميا أو وزارة معينة بأنه «بوق للسلطة» أو منافق أو متزلف، وهو المواطن غير النزيه في نظرهم، بينما يتخذون موقفا مغايرا مع الشخص الناقم الذي لا ترى عينه غير السلبيات ولا يرى في وطنه غير الظلم والفساد.هذه العقلية الجمعية أفسدت الطرح الإعلامي الرسمي هذه العقلية الجمعية أفسدت الطرح الإعلامي الرسمي منه وغير الرسمي، ذلك أن الإعلاميين الجدد في بعض القنوات الرسمية رأوا أن وسيلة الإقناع الجيدة للجماهير في برامجهم الجديدة، تتمثل في تناول المواضيع الأكثر إثارة وليس أهمية مع ضيف يمثل كبش فداء لممارسة سياسة «التحجير في زاوية» بطريقة غير لائقة للطرح الموضوعي ولا بحق ضيف البرنامج، أنا بالطبع لست مع سياسة مجاملة أي طرف على حساب أي قضية، فمن الممكن طرح كل الأسئلة والاستفسارات والاستزادات عن أي موضوع بطريقة محترمة تليق بكراسي المناقشة.ليس ما سبق هو القضية الأكبر في عملية الإقناع الجماهيري. المهم هنا أننا أمام عقلية مجتمعية جديدة تحتاج إعادتها إلى طريقة الفهم القائمة على الموضوعية على كل الأصعدة وعدم تبني أحكام مسبقة عن كل أمر، والأهم هو بناء مبادئ المواطنة على أسس سليمة، لا نقول مجدوا الفساد والمفسدين في مجتمعكم حتى تكونوا أصحاب ولاء مجيد لمجتمعكم، بل والوا بعضكم بعضا، فالمجتمع في نهايته ما هو إلا مجموع الأفراد المكونين له، يخرج منه المسؤول والمربي والعالم والغني والفقير، فإن كانت أفكارهم سوداوية وولاءاتهم منخفضة ولم يتعلموا ويعتنقوا مبادئ المواطنة السليمة؛ فسد المجتمع وظلم الناس بعضهم. في أحد البرامج التي تناقش قضية ما عن أداء قطاع حكومي وجهوده التي يبذلها في مكافحة الغش، سأل مقدم البرنامج الضيف المسؤول: هل صحيح أن هناك فئة من مراقبيكم تأخذ المال لتغض النظر عن بعض التجاوزات؟ وأظن أن إجابة ذاك المسؤول على السؤال كانت صريحة وربما صادقة ووضعت اليد على الجرح في رجاء برئه، فقد قال: نعم يحدث هذا مثلما يحدث من أفراد آخرين في قطاعات أخرى، لكن نسبتهم قليلة في إدارتنا، وسيستمر هذا الخلل إن لم ترب الأسر والصروح التعليمية أبناءنا على حب الوطن والأمانة وقيمة الخير. وفي رأيي أن القيم والأخلاق الوطنية وغير الوطنية الراقية والنبيلة، لا تقتصر على منع الفساد في أي مكان، بل انها تساهم في رفع إنتاجية المواطن بشكل عام وانخفاض نسبة مشكلاته الاجتماعية والقانونية.