مسؤولون يثيرون زوابع القهر والغبن لدى الشباب
شاهدت كغيري، في قناة الإخبارية، اللقاء مع (علي) ابن جيزان. الذي غادرها إلى الرياض بعد حصوله على الشهادة الثانوية. في رحلة بدأت عام 1413هـ. بيده الشهادة الثانوية، وبعقله آفاق المستقبل. كان متطلعا إلى القبول في الجامعة. (علي) توقف به العمر عند اللحظة التي قالوا فيها غير مقبول. ما زال في الشارع يبحث عن ذلك المستقبل. توقف به الزمن في أحد الشوارع، يكتب للآخرين همومهم ومشاكلهم، أمام مبنى إحدى الجهات، مقابل مبلغ من المال، وما زال.لماذا تُحمّلون الشباب أخطاءكم، وأغلاطكم، وتقصيركم، وتقاعسكم، يا من تجلسون على كراسي المسؤولية؟! استمعنا إلى كلام (علي). يقول إنه يحب الشعر. يقول إنه ذهب إلى جهات كثيرة باحثا عن عمل. كان جوابهم: ليس معك واسطة. يرد عليهم: معي الله. رأينا (علي) بجسمه النحيل. رأينا أنامل شابة تشتكي هم السنين. رأينا عيونا مقهورة. مكتنزة بكل أصناف المجهول. لكنها حية تتابع وترى الفرق. رأينا قامة بثوب أبيض. تحمل قلبا به عواطف كثيرة. يتذكر جيزان بجمالها الطبيعي. لكنه توقف عن البكاء لفراق الأرض التي ولد فيها وتربى. رأينا (علي) في المطعم يتناول وجباته التي لا تتغير. وجبات أصبحت حملا، وعلامة، يعرفها طبّاخ المطعم. رتابة كحياة الشاب (علي). فول في الصباح. كبسة للغداء. ثم عودة إلى الفول في المساء. يتذكر والدته وأكلاتها الشعبية. ثم فجأة يتذكر رمضان في جيزان. معددا أصناف الطعام التي كانت جزءا من تاريخ حياته. افتقدها مع كثير من الآمال. يعيش (علي) من اجل غيره. يرسل ما يعيل أهله ويساعدهم في جيزان. يا للقدر. يسألونه: هل لديك مدخرات مالية؟! فيجيب بالنفي. يسألونه: هل أعددت شيئا لكبرك؟! يقول: لا. ثم يطرحون عليه سؤالا غريبا يزيد توتر الموقف. يسألون: أمامك (5) دقائق بعدها ستموت. ماذا تتمنى؟! يرد عليهم سريعا. أتمنى أن احل مشكلة مع أخي. طلب بسيط بريء. لا بد انه خلاف بسيط كبساطة حياته. نسيت القناة أن تسأله هل بقي لك أمل في الحياة؟! هكذا (علي) طيب مع الآخرين. تحدث عنه صاحب المطعم، كزبون دائم الحضور. مع كل كلمات (علي) كنت أرى ضحايا التنمية. وقد نقلني إلى زمن كان كل أبناء قرى البلاد يعيشون حياة (علي). لكن تغيرت الأحوال للبعض مع القبول في الجامعات. أو بفعل الصدفة. أو بفعل فاعل خير. أو بفعل الندرة والحاجة إلى شباب يعمل. هناك أجيال تبحث عن فرص ولا تجدها. الحياة يتعقد نسيجها في وجه البعض وبفعل البعض. من هم الأكثرية؟! نقلونا عبر الشاشة إلى مسكن (علي)، في عمارة قديمة. في ملحق على السطح. رأينا المكيف. وصفوا لنا قوته المزعجة. لكن (علي) لا يستطيع النوم إلا في وجود هذا الإزعاج. اصبح جزءا من حياته. إزعاج، لكنه يعطي هواء باردا، ينسيه هم يومه في الشارع. رأينا غرفة متواضعة، شاهدة على بعض ابناء الوطن عندما يرحلون من قراهم ثم لا يجدون من يقول لهم: أهلا وسهلا في الجامعات والمعاهد. أو يقول لهم: أهلا وسهلا هذا عمل. رأينا غرفة خالية من الأثاث. فراش مدلوق في زاوية. ينام عليه جسم (علي) المكتنز بكل صنوف الانكسار. رأينا كيف أصبح الإنسان ضحية في عصر الإمكانيات. عصر الغنى والجاه. رأينا كيف يبتسم معبرا عن حالة ليس لها تفسير يبهج النفس. له سحنة كلّت من التساؤلات. رأينا (علي) ابن الجنوب، كما تقول قناة الإخبارية، يقر بتصرف اللاعب (زيدان). يقول: كان يجب فعل ما فعله. يعترف بأنه لو تعرض لنفس الموقف لتصرف بنفس التصرف. لكن القناة نسيت أن تقول: (علي) ابن الوطن. علي ابن المملكة، أو ابن جيزان، أو ابن الجنوب، أو ابن الوطن، تعرض للكثير والكثير. لكنه لم يكن يملك حق التصرف. فقط يملك المشاعر التي تدين كل من حوله. تدين الخطأ وتدين التقصير. تفضح رموز التخلي عن الواجبات. تجاه أجيال تعبر نحو مستقبل تسمع عنه ولا تجده. ويظل يحلم أمام منظر طبيعي وضعه بجانب التلفاز في الغرفة. اختاره ليكون ثقبا يتطلع منه إلى عالم يتخيله. منظر لا يتغير. بعكس الشاشة التي تزيد من دهشته في الحياة. علي نموذج للإنسان الذي كُتب عليه أن يكون الضحية، والشاهد، والظالم، والمظلوم. حالة تدين الجميع هناك من يزداد غنى. هناك من يزداد فقرا. هناك من يطلق الآمال التي لم تتحقق. هناك (علي) في الشارع يكتب للناس هموما ومشاكل تواجههم في الحياة. لأنه كذلك، هل يتقزم همه أمام هم الآخرين؟! (علي) بعقاله الأسود، وغترته الحمراء، وثوبه الأبيض وعاء يردد: الحمد لله. الحمد لله. لا ندري على ماذا؟! هل هو المريض أم المجتمع حوله؟! يؤذن لصلاة الظهر، كما يبدو من اللقاء. يترك (علي) مكانه على الرصيف تحت مظلة كانت تقيه الشمس. ينسل إلى الشارع متجها إلى المسجد. هناك يفرغ كل همومه، وأيضا هموم الناس الذين خط لهم عرائض الشكوى. فات قناة الإخبارية أن تنقل لنا صلاة (علي) في المسجد. أيضا فاتها أن تنقل لنا دعاء (علي) في صلاته. وبعد، هذه مقالة كتبتها عام (1427/2006). تذكرتها مع فصل (160) شابا من وزارة التربية والتعليم بعد سنة من تعيينهم بحجة الخطأ. أعيد نشرها لتأكيد أن هناك من يخفف معاناته بالاستماع إلى معاناة الآخرين. هناك من يصنع القهر والغبن للشباب. هؤلاء الشباب امتداد لحكاية (علي). وجدوا انفسهم على الرصيف، هكذا بكل بساطة. لماذا تُحمّلون الشباب أخطاءكم، وأغلاطكم، وتقصيركم، وتقاعسكم.