محمد السماعيل

أنعيب أنفسنا أم نعيب الزمن؟

من جميل نظم الإمام الشافعي قوله: «نعيب زماننا والعيب فينا.. وما لزماننا عيب سوانا/ ونهجو ذا الزمان بغير ذنب.. ولو نطق الزمان لنا هجانا/ فدنيانا التصنع والترائي.. ونحن به نخادع من يرانا/ وليس الذئب يأكل لحم ذئب.. ويأكل بعضنا بعضا عيانا» استحضر هذه الأبيات كثيرا كلما تأملت في حالنا كأفراد أو مجتمع أو أمة عربية أو إسلامية بعد أن تغيرت الأحوال وتبدلت النفوس، أما الأول فطبيعي لأن الوقت لا ينتظر، أما الثاني فالنفوس تتقلب وتتغير، ولعل ذلك ما يجعلنا نجتهد في طلب المبررات والتماس الأعذار حتى لو كانت غير منطقية لكل ما يمكن أن يكون سيئا، والأعذار غالبا لا تطلب إلا لكل سيئ من قبيح فعل أو تصرف أو سلوك أو لفظ.إن لم نغير من أنفسنا فلن يغير الله ما بنا، وسنفقد الزمن والإحساس بهالضغط الحضاري يسهم بشكل كبير في التغيير نحو الأسوأ، لأن تفاعله في النفس البشرية ينتج مفاهيم غير ناضجة أو متسامحة للحدود الدنيا، ولذلك نكثر من قولنا هذا حال الزمن الذي لم يكن يوما فاعلا في الموقع الإعرابي من سلوكياتنا وأخلاقنا وقيمنا وإنما ظرف يحدد بالضبط توقيت أفعالنا ويوثقها بالثانية، ولذلك ليس مقبولا أن نعيب الزمن ونسقط عليه كوارثنا الرجعية في تصرفاتنا وسلوكنا، فمثلا لم يجبرنا الزمن على تجاهل تربية أبنائنا والخلط بينها والرعاية،  ولم يحفزنا لاختيار المخدرات كسلوك سلبي للشعور بوهم الراحة والتخلص من أعبائنا، ولم يصور لنا الحياة كلها سعادة ونعيما ، لم يكن للزمن دور في إساءة ابن لأبيه أو أمه وتقديم كل صنوف العقوق. لم يدفع منتجي الدراما لإنتاج مادة رديئة الأخلاق تعرض النساء مائلات كاسيات عاريات متغنجات، ولم يقعدنا عن رفض مثل هذا العفن الأخلاقي وهو يقتحم بيوتنا، لم يجعل التجار يستخدمون الدعاية لعرض منتجاتهم على أجساد النساء وغمزاتهن وإغرائهن ، لم يجعلنا الزمن سلبيين في تلقينا لكل ما يتم بثه أو عرضه أو ما يغير من سلوكياتنا ويجعلها بليدة ومتبلدة ولا تفهم النظم الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية والدينية، ولم يأمرنا الزمن كذلك بسفك دمائنا واستباحة حرماتنا والتهاون في فرائضنا والتخلي عن حيائنا.الزمن مجهرنا الذي ينظر الى جميع التفاصيل ويحفظها ويوثقها، وفشلنا في الحفاظ على إنسانيتنا وأخلاقنا من صميم ضعفنا وعجزنا عن رفض ما يتناقض مع قيمنا ومبادئنا، وهو لا يصلح شماعة لذلك العجز والفشل إلا لدى أولئك الذين انحرفوا عن المسار الإنساني الذي يعقل ويفهم ويدرك ويملك القدرة على التغيير الصحيح والعودة عن الخطأ والاعتراف الجميل به والندم على ارتكابه.نجلس في نقاشاتنا ومجالسنا ومؤتمراتنا ونبحث الظواهر السلبية وتتكوم التوصيات وتعلو الأصوات وتنتفخ الأوداج والحصيلة النهائية صفر كبير، لأن الزمن تغير ولم يعد كالسابق وينبغي أن «نطبطب» على المتغيرين والمتحولين أخلاقيا، وأن نتسامح حد الخطأ مع أخطاء أبنائنا وتقاعسهم عن أداء واجباتهم فيتحولون لاحقا الى بركان من سوء الأخلاق والعقوق ويسيطر عليهم الإهمال واللامسؤولية.وبعد هذا فليس من الحق أن نعيب زماننا، ولكن أنفسنا التي أصبحت مخترقة في هذا الزمن وإن لم نغير من أنفسنا فلن يغير الله ما بنا، وسنفقد الزمن والإحساس به بحيث لا يبقى حتى من حقنا أن نعيبه أو نجده كشماعة لأخطائنا وعوراتنا النفسية والعقلية والأخلاقية.