محمد السماعيل

اختناق المدن.. مرة ثانية

تناولت في مقال سابق أزمة الاختناق المروري في مدننا التي تنمو وينمو معها البشر بوتيرة قياسية تتطلب إعادة نظر في مسارات الطرق وسعتها وتنظيمها، من خلال تفعيل المواصلات العامة، سواء عن طريق النقل الجماعي بالحافلات الكبيرة أو المترو، وكنت أشرت الى أهمية أن تبادر مؤسسة النقل الجماعي لتطوير خدماتها، حتى تواكب التطور الذي ننشده في خدمة قطاعات كبيرة من الموظفين، على نحو ما يجري في مدن عالمية كبيرة، مثل نيويورك وشانغهاي وطوكيو، التي تستخدم النقل العام لجميع موظفي القطاعين العام والخاص كجزء من الثقافة الاجتماعية والاقتصادية، دون أدنى حرج لمسؤول كبير أو صغير في أن يركب النقل العام من منزله الى مقر عمله، حتى يوفر الوقت ويتفادى الزحام، رغم وجود سيارته الخاصة في جراج منزله، أي أنه ليس بحاجة لأن يتباهى بنوع السيارة التي يمتلكها ويعمل بها زحمة أمام خلق الله.نحن بحاجة الى مجهود تنظيمي لواقع النقل العام داخل المدن وأحيائهاوقد تفاعل مع ما طرحت عدد غير قليل من القراء الذين راسلوني بالإيميل وبعضهم علق على الموضوع في الموقع الإلكتروني لهذه الصحيفة، مشيدا ومعززا لرأيي حول الموضوع، وهم مثلي يتمنون أن يرى مشروع النقل العام النور في القريب بالنظر الى السرعة الكبيرة التي تنمو بها مدننا بفضل الله، وذلك يتطلب مبادرات تستجيب لمثل هذا التحدي، ولو أننا بقينا على وضعنا الحالي فستمدد المدن أفقيا الى ما شاء الله لها أن تتمدد، ثم سنجد صعوبة بالغة في الوصول الى المواقع وتعطيل الأعمال وغير ذلك من الأضرار التي تصبح نفسية تعكر المزاج، واقتصادية يتكلف فيها الأفراد نفقات وقود زائدة وقطع غيار، واجتماعية يتكاسل فيها الأفراد عن بلوغ بعضهم لبعد المسافات حتى في الواجبات، وبيئية بسبب تلوث محيطنا البيئي بالملوثات التي تنفثها السيارات.إذن نحن بحاجة الى مجهود تنظيمي لواقع النقل العام داخل المدن وأحيائها، فالحاجة تنمو يوميا مع النمو السكني والبشري والتنموي، وينبغي أن نستفيد من تجارب المدن العالمية الكبيرة على نحو ما ذكرت سابقا لتطبيق تجربتها لدينا، وذلك يتطلب دراسات أولية من واقع ما يمكن أن تفرزه مؤتمرات وورش عمل متخصصة للنظر في القضية، على أن يكون الأمر شراكة بين القطاعين العام والخاص، ولعلي اتفق مع بعض القراء الذين ذهبوا للتساؤل حول تفاصيل المشروع على نحو: هل سترقى الخدمات والحافلات ومقدمو الخدمة إلى درجة جذب العملاء وجعلهم يستغنون عن مركباتهم الخاصة؟ مثلاً هل ستكون هناك مواقف مكيفة للانتظار؟ وهل سيلتزم سائقو الحافلات بالدقة المتناهية للوقت بحيث تنقلك حافلة كل خمس دقائق على الاقل؟ وعندما يريد الراكب التوقف هل يضطر لرفع صوته بدلاً عن زر التنبيه المتصل باللوحة أمام السائق؟ أم كل هذا لن يكون ويكتفى بالخدمات الحالية؟.وكما انتهيت في مقالي السابق الا أن قليلا من التفكير الإيجابي ودراسة الموضوع يمنحنا خيارات واسعة في الاستثمار الأكثر ربحية، ومعالجة مشكلة قابلة للانفجار مستقبلا مع نمو المدن وتضخمها بشريا، أشدد مرة أخرى على ذلك وأتمنى أن تلتقط الجهة المسؤولة "القفاز" وتبدأ في بحث القضية بجدية أكبر من خلال منهج علمي يقودنا الى مواجهة هذا التحدي بمرونة دون تداعيات سلبية على مستقبل مدننا.