د. سعود بن عبدالله العماري

مبدأ حسن النية في العقود

تحرص الشريعة الإسلامية ومن بعدها التشريعات القانونية المقارنة على تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع على أسس من التعاون والتفاهم المتبادل بعيداً عن الإضرار بالآخرين إعمالاً للقاعدة الشرعية «لا ضرر ولا ضرار»، ومن منطلق ديني وأخلاقي فقد ألزمت الشريعة بضرورة البعد عن كل فعل أو قول من شأنه أن يرتب ضرراً للغير، وقصدت تحقيق هذه الغاية النبيلة فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهو مبدأ تشريعي يتضمن السعي نحو تحقيق العدالة في كافة المعاملات بين الأفراد.لم يحدد القانون مفهوم حسن النية بل ترك الأمر للفقه والقضاء من أجل ترك مساحة وسلطة واسعة للقاضيولم يحدد القانون مفهوم حسن النية بل ترك الأمر للفقه والقضاء من أجل ترك مساحة وسلطة واسعة للقاضي في التعامل مع هذا المبدأ لإعادة التوازن المفقود في العقد، وبالرغم من قيام العديد من رجالات الفقه القانوني بوضع أكثر من تعريف لحسن النية إلا أنه يصعب الاتفاق على تعريف محدد بسبب اختلاف المفهوم في القانون المدني عنه في القانون الجنائي وأيضاً في القانون الدولي. ومن جهة أخرى فإن حسن النية في العقود يختلف معناه في مرحلة التفاوض على العقد عن مرحلة تنفيذ العقد أو تفسيره عند وجود نزاع بين أطرافه. ويكفي أن نعلم أن مبدأ حسن النية هو اتجاه الإرادة إلى عدم الإضرار بالغير بصفة عامة والمتعاقد بصفة خاصة مع اتخاذ ما يلزم من الحيطة والحذر وعدم الإهمال في سبيل تحقيق ذلك. والالتزام بمبدأ حسن النية من الالتزامات الشرعية والقانونية التي تتضمن إلزام المتعاقد بأن يكون صادقاً وأميناً ويلتزم بمساعدة الطرف الآخر في إطار احترام النظام وصدق التعهدات، ويشمل مبدأ حسن النية كافة المراحل التي يمر بها العقد، فهو يعرف في مرحلة التفاوض على العقد بمبدأ حسن النية قبل التعاقد، ويعرف أثناء مرحلة تنفيذ العقد بمبدأ حسن النية في تنفيذ العقود، وهو مبدأ عام يشمل كافة أنواع العقود من أجل حماية مصالح الأفراد حسني النية ممن يستندون في أعمالهم وتصرفاتهم إلى ظواهر الأمور. وخير مثال على ذلك إلزام البائع بأن يفضي للمشتري بكافة المعلومات الجوهرية التي يتوقف عليها رضاؤه لإتمام عملية البيع في مرحلة التفاوض على العقد وأيضاً أثناء تنفيذ العقد حتى لا يتعرض المشتري لضرر من جراء ذلك، وأيضاً إلزام المؤمن له بالإدلاء بالمعلومات المتعلقة بالخطر المؤمن عليه لشركة التأمين وعدم تحريفها أو إخفائها.ولا يقف دور مبدأ حسن النية عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل مرحلة تفسير العقد عند حدوث أي خلافات بين أطرافه، إذ يلتزم القاضي بتنفيذ العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه مبدأ حسن النية.وختاماً، فإن حسن النية هو الأصل لأن الأصل في الإنسان هو براءة الذمة ومن يدعي خلاف الأصل يقع عليه عبء الإثبات.