سكينة المشيخص

انتحار جسدي ونفسي من صنع أيدينا

هناك بعض التناقضات التي يمكن أن تخرج عن السيطرة، فتبقى على حالها بين أبيض وأسود، خير وشر، وسلبي وإيجابي، ولكن هناك أيضا ما يمكن السيطرة عليه حينما يرتفع مستوى إدراكنا لتبعات التناقض في تصرفاتنا وسلوكياتنا، خاصة ما يتعلق بالصحي منها، فنحن خلال حياتنا نحتاج للعافية والصحة؛ حتى نمارس أنشطتنا بصورة سليمة وسلسة وإيجابية، وحين نضل الطريق الى تحقيق سلامتنا الصحية، فإننا في الواقع نمارس نوعا من الجهل المقصود واللا مبالاة التي يترتب عليها أمراض تعوق نشاطنا الحيوي.وإذا نظرنا إلى فكرة المتناقضات، فإن السمنة من المنظور الصحي والبشري تقف في الخانة السلبية، ويقابلها فقداننا للرشاقة والنشاط والصحة الجسدية والنفسية، وهي ليست تورما في الأجسام وحسب، وإنما مخزون مرضي يضم ارتفاع الكوليسترول والضغط والسكري والخمول وضعف الحركة والسرطانات، والمدهش أن ذلك أمر نتسبب فيه بأنفسنا إلى حد كبير، فعدم السيطرة على شهيتنا المفتوحة أمام ما لذ وطاب تصيبنا في مقتل، وتدخلنا في دوامة من البحث عن التخلص عن الشحوم الزائدة والعلاج من أمراض السمنة.نحن أمام سيل من الأسئلة من واقع هذه الأرقام وفي خبر بصحيفة "اليوم"، فقد حذر خبراء وأطباء عاملون في القطاع الصحي، من خطورة متزايدة لأمراض السمنة، مشيرين الى وفاة 20 ألف شخص، بمعدل سنوي في المملكة؛ بسبب السمنة وأمراضها، ويتوقع التصاعد في الأعداد حيث كان الأحصاء بهذه الأعداد معنياً بالبدانة المفرطة، بينما تمثل زيادة الوزن ظاهرة تجاوزت في الأطفال 3 ملايين، ونسبة 70% في مجموع السكان، وحسب الأطباء الاستشاريين فإن السمنة بوابة الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسكري والسرطان وهشاشة العظام وانسداد شرايين القلب.أليس ذلك تدميرا لأنفسنا، وإهدارا لحقنا في التمتع بحياة صحية سليمة؟ وفي الحقيقة نحن أمام سيل من الأسئلة من واقع هذه الأرقام والرؤية الطبية العلمية تتعلق بسلوكياتنا الغذائية والسطحية في التعاطي مع الحق في الحياة الصحية، ولعل هناك إحصائية لم تذكر خاصة بإنفاق الدولة على معالجة البدانة وأمراضها، وهو مبلغ ليس صغيرا أو متواضعا، كان بالإمكان توجيهه الى أوجه أخرى أكثر إلحاحا بدلا من دفع أثمان لأخطاء سلوكية في نظامنا الغذائي.هل نجحت برامج التوعية في تقليل معدلات السمنة؟ أجيب بأن ذلك لم يحدث لأن الأرقام السلبية لا تزال تتصاعد والأجسام تترهل وتتورم وتتعطل بالأمراض، فلماذا نؤذي أنفسنا بصورة منهجية ومتعمدة؟ ليست هناك حاجة لاكتناز الشحوم في الأجساد، وذلك ليس له أي أهمية أو فائدة على أي صعيد، إننا نمارس انتحارا بطيئا ليس إلا، ولكن لماذا فشلت برامج التوعية؟ هل لقصور فيها؟ أم لعدم قدرتها على مواجهة تحديات الشهية المفتوحة على آخرها؟ اعتقد أن برامج التوعية ينبغي أن تكون من الكثافة بحيث يجد أفراد المجتمع أنفسهم محاصرين بكمية كبيرة من المعلومات عن مخاطر السلبية، في كل مستشفى أو مستوصف أو مركز اجتماعي، وحتى في منازلهم من خلال البروشورات والملصقات وزيارات المختصات الاجتماعيات ومن خلال جلسات قصيرة ومركزة، يمكن أن ينتقل إلى المجتمع حد معقول من الوعي يجنبه السمنة التي هي -كما وصفتها- انتحار جسدي ونفسي يجب أن يتوقف.