د . محمد حامد الغامدي

هل نعيش في مناطق قاحلة في كل شيء؟!

  الحديث عن شوارع البلد لا يتوقف. نجده شكوى في كل مكان. يكبر بحجم زيادة مشاكلها. معاناة لكل عابر ومستخدم. لكل ضيف وزائر. لكل سائح يبحث عن الأماكن. يبحث في مواقع اختزلها عبر صور كثيرة. نقلها التاريخ. نقلتها الجغرافيا. نقلها الأدب. صور نقلتها الثقافة ومحاور الاتصال. أماكن أصبحت جزءا من الوجدان. حتى مكان العمل والسكن والأسواق أمكنة لها معنى بشوارع ليس لها معنى.  الشارع طريق للجميع. في إماطة الأذى عن الطريق صدقة. البعض يخلق الأذية. لكن أن تأتي الأذية من جهات رسمية، فهذا يعني أن للأذى موظفين، مقاولين، ميزانية، رواتب، ورتب عالية المقام والشأن. تقول العرب لا يصح إلا الصحيح. هل سنموت ونحن ننتظر هذا الصحيح؟! متى سيأتي؟!شوارع البلد تُذكّر بكل أنواع فن الرسم والنّحت  شوارع البلد تذكرني بأشياء السكوت عليها فضيلة. تأخذ إلى مسافات أبعد في ذاكرة المعاناة. تذكرني بغرف العمليات في المستشفيات. تذكرني بجميع أنواع المطابخ في العالم. الرابط بين غرف العمليات والمطابخ هو الجراحة. كلها تستخدم الأدوات والآلات. بعضها يقطع اللحم. بعضها يفرم اللحم والعظم. بعضها يقطع الخضار. بعضها يقشر البصل والثوم. في النّهاية، إعداد لطبخة بغرض معيّن، أو عملية استئصال أو تجميل. هكذا الشوارع بعمليات فاشلة. بطبخات غير ناضجة. شوارع كل شبر لا يخلو من جروح الحفر والدفن. لا يخلو من أثر التقطيع. لا يخلو من آثار التشويه وآثار القص واللصق.في المطابخ وغرف العمليات تُرمى المخلفات في مكان خاص. أمّا شوارع البلد فتأكل مخلفاتها. هي طيّات ومطويّات من الإسفلت. هي حفر مغطاة بالماء العكر، أو مكشوفة تتحدى أن تنكمش. نجد أن تجاعيد الشوارع لا تنقرض. تجاعيد تنتشر وتتمدد. شوارع تحولت إلى جثث في غرف العمليات للتدريب. شوارع تحولت إلى أصناف غير شهية في مطابخ القوم. جميعها بدون جودة.  شوارع البلد تذكرني بكل ألوان الموسيقى الشرقية والغربية. سلالم موسيقية في كل شارع. بعضها كبير. بعضها صغير. بعضها يصدر أصواتا صافية. بعضها يصدر أصواتا خافتة. كل هذا نتيجة الانجاز خارج محاور الجودة. ولأن السيارات من كل جنس ولون، تجد أن الموسيقى تتنوع. لكل سيارة مدى وجودة في العزف. نغمات تأتي بالارتطام أو الحك أو التعليق في احدى الحفر الكبيرة. حسب نوع الموسيقى وجنسيتها تكون قيمة الفاتورة.    شوارع البلد تُذكّر بكل أنواع فن الرسم والنّحت. هناك مدارس في حفر الشوارع وترقيعها باللون الأسود. هناك نحاتون. هناك رسامون كل حسب مهمته وأصول فنه. الشيء الغريب أن الناس بعد انتهاء فنون النحت والرسم يشاركون بسياراتهم في رص تربة الشارع قبل السفلتة. لا ندري لماذا؟! عمل مجاني لوجه الله، ربما لزيادة جودة حبك جمال النحت في منحنيات وأقواس واضحة. جمال أخّاذ ولكن لشركات قطع الغيار، ولأصحاب المصالح الذين يرسمون الشوارع بالفساد وسوء التنفيذ. شوارع تسوء يوما بعد آخر. من سنة إلى أخرى. تختفي الطبقة السوداء. يظهر الطين الذي إليه نعود.  شوارع البلد في كثير من الأحياء تفيض بنوافير المياه. تتحول هذه الشوارع إلى جداول مائية. تشق طريقها من شارع إلى آخر؛ لتجد مكانا للتجمع كبحيرات صغيرة. تصبح مستنقعات مستدامة. حفر مغطاة بالوحل والروائح الكريهة. موجات متلاحقة في كل صوب من الشارع. ترى تمايل كل مركبة. ترى أيضا اهتزازاتها التي يطرب لها تجار قطع الغيار. ترتفع وتنخفض. تترنح إلى اليمين وإلى الشمال من هول المعاناة. البعض يحتاج إلى دليل لتفادي الضياع في حفرة. تجد البعض يستجدي إخراج عجلة السيارة التي غاصت في وحل حفرة خالية من الإسفلت. العبور (من/وفي) شوارع البلد عبور من حياة إلى أخرى. عبور من حالة إلى حالة. عبور من مشكلة إلى أخرى.  شوارع البلد تذكرني بكل أنواع البحار. معاناة لراكبيها. تراهم في قوارب النجاة دودا على صفيح. الداخل مفقود والعائد إلى بيته مولود. مع السلامة، دعاء الخروج من البيت مع كل مشوار. الحمد لله على السلامة. دعاء استقبالك في البيت. شوارع تستغيث الراعي والحامي.تذكروا ميزانيات هذه الشوارع. الأرقام مفجعة.  كم تخسرون أنتم؟! أحيلكم إلى جيوبكم التي تدفع لشركات ووكلاء السيارات. يستقطعون من قوتنا وقوت عيالنا شهريا بسبب هذه الشوارع. لن أحدثكم عن الكرامة المهدرة في هذه الشوارع. لم نعد نعرف الكرامة إلا في شوارع دول المريخ المختلفة. نزورها ونتعجب. نتساءل ونشقى بكثرة الأسئلة. هل تبلّدت أذهاننا مع هذه الشوارع؟!  ميزانية هذه الشوارع تزيد ولا تنقص. والدولة -حفظها الله- لا تبخل. ذلك أمر واضح ومعروف. لكن نتساءل عن الأمانة. عن الإتقان الذي هو سر الجودة؟! نتساءل عن واجبات ومهام مسئولين؟! نتساءل عن سوء التنفيذ وسوء التصميم؟! عن النتائج التي لا تحترم عقلا ولا مسئولية ولا نظاما؟! لن أتحدث عن حدوث معجزة. أتساءل هل الشخص المناسب في المكان المناسب؟!  أعرف أن هناك شبابا مليئا بالحيوية والمسئولية. هل غيبهم عفن الفساد والأنانية وسوء التوجهات؟! هذه الشوارع تعكس أشياء كثيرة. هذه الشوارع نتاج أمراض نفسية وعقد وفساد وجشع. نتاج أطماع ومحسوبية وصلت بالبعض لبناء مسجد في وسط تقاطع أربعة شوارع. هل تصدقون ذلك؟! مستعد لأخذكم في جولة سياحية مع المسئولين، وبالمجان في (أتوبيس) من الدرجة التي يطلقون عليها درجة (VIP).  ضحكت كثيرا. حزنت كثيرا. فقدت الأمل بأي إصلاح، عندما تلقيت رسالة من أمانة احدى المناطق تقول: «أخي المواطن، أخي المقيم. الفساد كالوباء إذا سكتنا عنه انتشر، وإذا حاربناه انحسر. فكن شريكا في مكافحة الفساد، بنبذه وإنكاره وعدم التستر عليه، والإبلاغ عن ممارسيه. مع تحيات أمانة المنطقة (.......). بالتعاون مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد». أليس هذا استهبالا وعبطا يستهجن عقولنا ويستخف بالكرامة؟! إن لم تحترموا عقولنا بشوارعكم فعليكم احترامها برسائلكم.