لماذا يا ترى؟
ما يحدث الآن في العالم العربي من مجازر تتجاوز حدود التوحش يصيب كل ذي وعي بالذهول، ويدفعه إلى السؤال عن الاسباب التي سلبت الإنسان إنسانيته، وحولته إلى أشد الكواسر ولوغاً في الدماء.كثير من الكتاب تناولوا منذ زمن بعيد ولا يزالون هذه الظاهرة السوداء، وراح كل منهم يوضح سبباً يراه هو الأشد فعلاً، ويتوقع أن جميع ما ذكروه يشترك كسبب من أسباب هذه الظاهرة، فالتعليم والإعلام والتنشئة الاجتماعية والثقافة السائدة القاحلة، كلها أسباب للجهل وعمى الاختيار الدافع لهذه الظاهرة الفادحة.والسبب الذي أراه (جذراً) هو الإجابة عن أسئلة العصر بأجوبة ماضية على أسئلة ماضية لا علاقة لزمننا بها. هذا الخروج من الزمن، هذا العمى الإدراكي الحاطب بليل، لا يمكن ردعه بدون غرس وعي جديد.لماذا يا ترى؟لأن الذين لا يعرفون إلا الأجوبة الماضية، والتي تزرع وعياً مغايرا ما زالت الساحة تهتز بأصواتهم، ولا زال أوسع المتلقين يرون فيها حقائق ثابتة.معنى هذا كله أن هؤلاء يعيشون خارج الزمن، والمهم الواجب على القرار السياسي والقرار الثقافي هو إعادتهم إلى زمانهم.وبالطبع فهؤلاء المحرضون ليسوا جمعياً منافقين، بل إن بعضهم (وهم قلة) أراد الحق فأخطأه، كما قال الإمام علي في الخوارج. يضاف إلى هذا قمع حرية من يريد إفهامهم بأنهم يسيرون في ظلام يحسبونه ضياء.أرادوا الحق فأخطؤوه .. هذا رائع، ولكن لماذا هذا الخطأ الذي يتكرر طوال أربعة عشر قرناً، ولماذا كلما مر عليه الزمن ازداد شراسة؟.يطرح المفكر محمد باقر الصدر سبباً واضحاً لهذه الظاهرة وتناقضاتها، حين يعيد ذلك إلى طريقة التفسير القديم للآيات القرآنية. فقد كان ذلك التفسير يأخذ كل آية على حدة، ويفسرها حسب منطوقها، ويعمل تحت هذا التفسير. وهذه طريقة تفصل الآيات ذات الموضوع الواحد عن بعضها، في حين أن معنى كل آية يشكل جزءاً من المعنى الذي يبينه القرآن، وبدون معرفة المعنى لجميع الآيات ذات الموضوع الواحد، يقع المفسرون في التناقض، ومن ثم ادعاء كل فريق أنه هو وحده على الصواب.يضاف إلى إيضاح هذا أن النص المقدس (أي نص مقدس) هو نص ثابت، ولكن دلالته غير ثابتة، فهي تعدد حسب الأفهام وحسب الزمن، فإذا فرض عليه الفهم الثابت تجمد عند نقطة واحدة من الزمن الماضي وحينئذ يفقد معناه.معنى هذا كله أن هؤلاء يعيشون خارج الزمن، والمهم الواجب على القرار السياسي والقرار الثقافي هو إعادتهم إلى زمانهم.