نحو برنامج وطني لتعزيز الأمن الفكري
الأمن الوطني من القضايا الجوهرية والمحورية التي نتشارك جميعا في تحقيقها، وهي ليست مسألة خاصة بالأجهزة الأمنية وحسب، ذلك من الأخطاء الوطنية التي نرتكبها دون أن نشعر بها كمواطنين، يفترض أن نتمتع بحد أدنى من الحس والمسؤولية الأمنية، فالاختراقات الأمنية المنظمة أو الطارئة والفردية التي يمكن أن ترتكب بحقنا الوطني والاجتماعي تأتي من ثغرات في الجدار الفردي لكل منّا بالدرجة الأولى، لأن الاجهزة الأمنية تعمل على سد الثغرات الرئيسية التي يمكن أن يدخل منها المجرمون أو الإرهابيون الى بلدنا لتهديد أمننا، ولكن يبقى الجدار الفردي مسؤولية كل مواطن يعي واجباته في حماية نفسه ومجتمعه ووطنه.إننا في الواقع بحاجة الى مستويات متطورة من الوعي الجماعيولعل القضايا الإرهابية – في ظل ما يجري في المنطقة من أحداث - من أكثر المهددات الأمنية المستقبلية لوطننا ومجتمعنا، وذلك يتطلب منا نوعا من الحرفية في النظر للأمور بموضوعية تضع الوطن فوق كل اعتبارات، ودون ذلك من الصعب أن نحقق أمننا، فبعض الإرهابيين على سبيل المثال هم بين ظهرانينا كخلايا نائمة، وقد يتعاطف بعضنا معهم فيؤويهم أو يتستر عليهم، وهذا هو أخطر الاختراقات، فخطر الإرهابي يتجاوز الرؤية والفكرة العاطفية التي يمكن أن يحملها هذا أو ذاك لمن أعلن تمرده أو عصيانه لسلطة الدولة وخرج عليها، أو من تعاطف مع دولة أخرى غير دولته؛ لأن هؤلاء يفكرون بما هو أخطر ولا يخطر على بال من يتعاطف معهم، والحرفية التي أعنيها هي أن عدم إدراك الشخص لحجم الخطر الكامن في الإرهابي ينبغي أن يدرأه بالتبليغ الفوري عنه للأجهزة الأمنية، حتى لا يكون مخترقا بصورة عاطفية، وهو وإن لم يبلغ اليوم فسيتم غدا معرفة موقعه ويصبح شريكا في الجرم.أجهزتنا الأمنية ولله الحمد متقدمة كثيرا في تعقب الإرهابيين، حتى أن بعض الدول المتقدمة بدأت في محاكاة ما يقوم به رجال الأمن في بلادنا، ولعل تفاعل المواطن مع جهود الجهات الأمنية ينتج أمنا على نطاق واسع، ويوفر نوعا من الأمن الوقائي الذي نحتاجه لسلامة مجتمعنا ومؤسساتنا التي يستهدفها الإرهابيون بأعمالهم الإجرامية، وما يؤكد ذلك تصريحات سابقة لصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز النائب الثانى لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية السابق - رحمه الله - التي كشفها قبل وفاته عن أن المملكة أحبطت 220 محاولة ارهابية خلال العقد الماضي استهدفت منشآت ومسؤولين ووزراء.ولا يتوقف جهد الدولة عند تعقب الإرهابيين والقبض عليهم وحسب، وإنما تعمل على مناصحتهم باعتبار أن الأمن حالة عقلية ونفسية، وبرامج المناصحة كبرنامج الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية للمناصحة يعيد برمجة العقول ويضعها في مساراتها الصحيحة، وبالفعل هدى الله به البعض وأرجو أن يهدي به الباقين، وهنا لا بد من الاشارة الى أننا في حاجة الى استراتيجية فكرية أمنية تفعل ما يسمى بالأمن الفكري؛ لأن القضاء على الارهاب ليس من القضايا التي من الممكن مواجهتها فقط بالعمل الأمني، بل بالمتابعة والمواجهة وتصحيح الأفكار، وهذا يتطلب مشاركة فاعلة من العلماء ورجال الفكر، ولذلك – أرى - أننا في الواقع بحاجة الى مستويات متطورة من الوعي الجماعي بأهمية تحقيق الأمن الوطني في إطار أفراد المجتمع، وتفاعلهم في صد كل ما قد يعكر أمن البلاد حتى يضيق الخناق على الإرهابيين، ولعل هذا يسهم في إحلال قناعات متوازنة في عقليات الشباب الذين يميلون الى التعاطف مع هؤلاء، لذا أشدد على إيجاد برنامج وطني متخصص لتعزيز الأمن الفكري؛ لأن ذلك أبرز مطلوبات المرحلة المقبلة في ظل ما يجري من فوضى في المنطقة، ولعلنا بهذا نسهم في سد كل ثغرات الإرهاب والإرهابيين.