قطوف و«صفر واحد»
الرياديون هم القوة الدافعة للنمو في الاقتصادات المتقدمة، هم أشخاص يعملون لحساب أنفسهم، ولديهم الاستعداد للمخاطرة. هل اقتصادنا مستعد ليأخذ الرياديون دورهم فيه؟ الريادة تُحرك وتُدير أكثر من نصف اقتصاد الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ونصف أغنى البيوتات الأمريكية هي لرياديين، أي ثروتهم طارئة وليست تالدة. إذاً الأمر جاد، فهل نحن جادون؟! اجتمع 11 شاباً واخترعوا لنا "صفر واحد"، لكنهم هم من فكرّ ومولّ وتحملّ كل العبء، ومشروعهم على أعتاب النجاح المادي بإذن الله، فهل نترك أمثالهم يعانون رغم حاجتنا الماسة المسيسة - كمجتمع واقتصاد - لنجاحاتهم؟!اجتمع 11 شاباً واخترعوا لنا "صفر واحد"، لكنهم هم من فكرّ ومولّ وتحملّ كل العبءقطوف التي أعني هنا عبارة عن وقفية تعمل على أسس تجارية، تهدف لاحتضان الابداع وتسريع انتقاله لدنيا الأعمال ودخول السوق على أسس متينة، وقد أقامت مؤخراً ورشة لاستعراض المشاريع الابداعية الجديدة. تذكرني هذه الورش – ولا ادري لماذا - بمناسبات استعراض الخيول العربية ليفطن المتمرس لجمالها وقوة عودها وجَلَدها للسبق. والقصد من ورش العمل، استعراض الفرص الابداعية التعريف بها أولاً، واستقطاب المستثمرين الماليين ثانياً، لكن صاحب الفكرة لا يكون تحت ضغط الديون لكي يقبل بأي شريك وبأية اشتراطات؛ فمن خلال مؤسسات ومعامل مثل "قطوف" يتقدم الريادي المبدع بفكرته للملأ، وهو واعٍ لقيمتها وغير مضطر لبيعها لأول المتقدمين، باعتبار أنه "مسنود" من المعمل الذي خَرّجَهُ. في السابق، كان الأمر يقوم على "احتضان" الفرصة الابداعية (أو الاختراع) حتى تصبح قابلة للطرح في السوق، لكن مع مرور الوقت اتضح أن الريادة نشاط اقتصادي له سلسلة تزويد وسلسلة قيمة، وأنهما بحاجة لتكاتف جهود متكاملة ومتسقة وإلا فلن تذهب جهود الاحتضان بعيداً. ولا بد من النظر بكثير من الاعجاب لمبادرة "قطوف" وانجازها الأخير، فاستضافتها لمعمل "فلات6" في جدة خطوة ريادية عملية لبناء اقتصاد معرفي في بلادنا. وهي لبنة، لكنها بمثابة حجر زاوية في إطلاق جهد منسق، وهي ضرورية لكنها غير كافية. أما ما قد يكفي فهو أن تشكل الحكومة الموقرة مبادرة متكاملة الأركان لتعزيز وتعضيد واحتضان وتمويل واطلاق وارشاد الجهود الريادية في طول المملكة وعرضها. ولدى الجهات المعنية كل الصلات والموصلات لبيوت الخبرة وللأشخاص وبالتأكيد لا ينقصها المال، كل ما هو مطلوب أخذ الأمر على محمل الجد والسرعة وتوفير متطلبات الريادة، بتوفير بنية تحتية وموارد بشرية مؤهلة وقادرة أن تحدث الفرق، وتستوعب الابداع والعبقرية والريادة التي تزخر بها عقول شبابنا وفتياتنا. ولا بأس بدراسة التجارب الدولية والاقليمية للريادة، إن لم نكن قد درسناها من قبل مراراً وتكراراً، ولكن لن يتحقق الأمر بدراسة، فما ينقصنا بيئة متكاملة (eco-system) للريادة، بما في ذلك التشريعات النظامية والتعديلات الضرورية في بعض الأنظمة القائمة، وقنوات التحفيز والدعم والتشجيع والتمويل الحكومي. ولا نريد صياغة نظام قائم الزوايا، مثل نظام صندوق التنمية الصناعية الذي يمول الصناعة، ولكن وفق محددات تُخرِج كل شيء ما عدا الصناعة التحويلية بتعريفها التقليدي الصارم.