د . محمد حامد الغامدي

لماذا نستورد القمح ونحجم عن استيراد الماء؟!

  بلغت تكلفة تحلية المتر المكعب من مياه البحر (15) ريالا. ورغم التكلفة الباهظة، لدينا (28) محطة. بلغت تكلفة إنتاجها خلال عام (2013) حوالي (15) مليار ريال. مياه التحلية لا تصل جميع المنازل في البلاد. هذا لا يعني أن هناك منازل ليست بحاجة إلى الماء. هناك الشعار المرفوع: [دبّر حالك]. يوجد من يوفر مياه الشرب والاحتياجات المنزلية بطرقه الخاصة. البعض يعاني تعب البحث. حتى بيتنا (العود) في قريتي بمنطقة الباحة. لا نسكنه اثناء زيارته السنوية، بسبب نقص الماء. نلجأ إلى الشقق المفروشة لتلافي وجع الرأس، فنجد المعاناة قائمة. غيرنا يحلها  ونحن نعيش معاناة الانتظار.  يوجد بيننا من لا يهتم بالأفكار والرؤى     الماء أصبح هاجسا يوميا لأمثالي. ليس لأنني الأذكى، لكن جزءا من وظيفتي وتخصصي ورسالتي في الحياة. البقية بمشاغل ورسائل أخرى. كنتيجة، أسعى من خلال كتاباتي المستمرة منذ ثلاثة عقود، للتذكير بأهمية الماء. غياب اهتمام الآخر أوصلني مرحلة الإعجاب بنفسي. شكّل مصدر التقدير والتكريم لذاتي. بالتأكيد ليس غرورا أو استعراضا. إعجابي بنفسي مرجعه الانتصار على الإحباط. هذا سر أكشفه لنفسي ولكم. هل يحفزكم هذا لصالح الماء؟! هل يحثكم على إثارة القلق في نفوسكم؟! لا تخافوا، القلق على الماء قلق مشروع.  في بداية السبعينيات من القرن الماضي. كنت طالبا في السنة الأولى بجامعة الرياض (الملك سعود حاليا)، قرأت إعلانا عن محاضرة ستقام في فندق الإنتركونتننتال. المحاضرة كانت للأمير محمد الفيصل، عن مشروعه الشهير (جبال الثلج). كان ينوي جلبها لتأمين احتياجاتنا من الماء العذب. حضرت بدفتر صغير. دخلت القاعة. بهرني كبر حجمها. زيارتي الثانية والأخيرة، لنفس القاعة، كانت بصفتي عالما، أضع أمام اسمي حرف (د) كما يقول المستهترون. كانت أيضا عن الماء. مفارقات عجيبة. لحظات قادتني إلى التأمل والتفكير والتفاؤل. عكر صفوها سحابة حزن.  إذا كان متر الماء المكعب من التحلية يكلف (15) ريالا فإن متر مياه مشروع الامير محمد الفيصل بجلب جبال الثلج كان سيكلف (هلالات) معدودة. تم تجاهل الفكرة ومحاربتها. شخصيا اقتنعت بكل كلمة قالها الأمير. مازلت حتى اليوم أذكر كل شيء دار في تلك القاعة الكبيرة، حتى الأسئلة والنقاشات. أذكر ضحكات بعض الساخرين. لم يسعفهم الحظ لإعطاء أنفسهم فرصة لاستيعاب أبعاد وأهداف مشروع الأمير. للمعلومية الأمير كان أول مسئول عن التحلية. وقف بنفسه على ارتفاع تكلفة التحلية فقرر البحث عن بدائل.  يوجد بيننا من لا يهتم بالأفكار والرؤى. البعض يقتل الأفكار الشابة قبل تبلورها وتشكلها. يقتلونها في مهدها لقصور في الاستيعاب، أو لأسباب قد تكون مريضة. ما أكثرهم، حيث الدماء الشابة الجديدة من علمائنا لا يعطون فرصة ابهار حتى أنفسهم، كنتيجة لا يبهرون العالم بأي إنتاج علمي ذي شأن رفيع. سنظل هكذا إلى أن يصبح للأفكار قيمة. البعض يرى في الفشل نهاية كل طموح. يجهزون عليهم بهذا الفشل. يمتطونه كذريعة. يتجاهلون أن الفشل بداية الطريق نحو النجاح.  نعود لنسأل، هل هناك فرق بين القمح والماء؟! لا أتحدث عن مادة ومكونات الاثنين. أتحدث عن أهميتهم للمواطن وللوطن وللأجيال القادمة. الماء أساس في حياتنا. القمح أيضا أساس في حياتنا. القمح يمثل الأمن الغذائي. الماء يمثل الأمن المائي. كنتيجة، لماذا استيراد القمح لا غبار عليه في قواميسنا وفهمنا بينما نتحسس من استيراد الماء؟! مفارقة عجيبة لها أبعاد.    في ظل الأوضاع الصحراوية التي نعيشها تتبدد مقولة الأمن الغذائي وكذلك الأمن المائي. ليس هذا فقط، لكن أيضا بسبب وضعنا العلمي والفني. نحن أمام حقيقة استيراد كل شيء يخص مكونات التحلية وأيضا كل متطلبات وأدوات نجاح زراعة القمح. كل شيء مستورد. العلاقات الدولية متداخلة المصالح. كذلك القوانين الدولية تعززها التجارب والأحدث. تم تهديد أمننا الغذائي في حرب (73) الشهيرة. وعليها يجب القياس.  استيراد الماء ضرورة ملحة في ظل أوضاع التكلفة الباهظة لتحلية مياه البحر. من الضروري البحث عن مصادر للمياه العذبة خارج البلاد وجلبها إلى الداخل عن طريق وسائل كثيرة متوافرة وغير مكلفة. المياه هاجس ويجب أن يظل هذا الهاجس قائما في النفوس. بل ويجب إثارة القلق عليه خاصة بين الأجيال الجديدة.  نحن بحاجة قصوى إلى كل فكرة، كل رؤية عن المياه. يجب تبني كل الأفكار وتطبيق ما يمكن تطبيقه على الأقل من باب التجربة. قد تنجح بعض التجارب بشكل لا يخطر على بال. التحلية ليست الحل الأمثل، ولن تكون، رغم كونها حاليا خيارا استراتيجيا. محطات التحلية لها عمر افتراضي، هنا تكمن الخطورة.   هناك خيارات متاحة كثيرة أهمّها، من وجهة نظري، ما أنادي به منذ حوالي ثلاثة عقود. ما زلت أنادي بضرورة استغلال تخزين مياه الأمطار في الأرض مباشرة عن طريق بناء المدرجات في المناطق المطيرة من المملكة. إن التركيب الجيولوجي يساعد في تدفق المياه الجوفية المتجددة إلى المناطق الداخلية من المملكة شرقا، عبر تراكمها السنوي في المناطق المطيرة.  خلال السنوات الماضية كان هناك الكثير من الأفكار التي تم طرحها ومنها مشروع أنابيب السلام لنقل المياه من تركيا إلى دول الخليج. هناك من قال باستعمال ناقلات النفط العملاقة لنقل الماء أثناء عودتها للمملكة فارغة. هناك الكثير من الأفكار التي لم يتم دراستها جيدا. كأن الأمر لا يعنينا في شيء.  الأفكار ثروة كبيرة. حسن إدارتها واستغلالها إنجاز عظيم للأمم. محاربة الأفكار لمجرد أنها لا تروق لفرد في موقع المسئولية كارثة. نموذج تخلف في حال حصوله. الحقائق العالمية خير شاهد وإثبات. وصل بنا التخلف إلى معاقبة من يفشل بحجة تبديد الأموال. ننسى قيمة التجربة لخلق مسارات جديدة تحقق نجاحات قد تتأخر. ثمار التجارب ستأتي في ظل حسن إدارة الأفكار وأدوات تحقيق نجاحها. الخبرات لها ثمن وقرارات شجاعة.