صورة من صور الفساد
حينما بدأت فعاليات الهيئة الخاصة بمكافحة الفساد عملها، فان ذلك ينطلق من شعور بأن أساليب تلك الظاهرة التي تفشت بشكل أو آخر في أوصال بعض الدوائر الحكومية، كالرشوة، والمحسوبية، والتزوير، والواسطة، وغيرها من المسالك عند تنفيذ المشروعات الخدمية تمثل في واقع أمرها عقبة حقيقية تحول دون استمرارية الخطوات التنموية في البلاد كما يجب أن تستمر، وعندما تتفشى تلك المسالك المشينة في أي مجتمع من المجتمعات فان ذلك نذير واضح يؤشر بانتشار الفساد في أعضاء جسده الصحيح، وأن النيران الكبرى التي قد تأتي على الأخضر واليابس انما تكون في العادة من مستصغر الشرر، وقبل أيام معدودات انهار جسر قريب من مدينة تدريب أمن المنشآت، ويقع على بعد ثلاثين كيلو مترا من حاضرة الدمام في الطريق السريع الرابط بين الدمام والرياض في الجانب المؤدي الى العاصمة، وهذا الجسر الهام يخدم المواطنين المالكين لعشرات المزارع والاستراحات الواقعة على ذات الطريق، ويخدم زوارهم أيضا حينما يعبرون الجسر بمركباتهم للوصول الى تلك المزارع والاستراحات.لا بد أن يدرك المتستر على أفاعيل المفسدين أنه خارج عن الأنظمة والقوانينولعل من الغرابة بمكان أن يصرح أحد المسؤولين بوزارة النقل في أعقاب سقوط الجسر الذي لم يقع سقفه وجدرانه على رؤوس المارة بحمد الله وفضله أن الوزارة تسعى لإزالة أنقاض الجسر المنهار خلال ثلاثة أيام، وكنت أتوقع أن التصريح سوف يكون مختلفا تماما عن مسألة ما خلفه السقوط من أنقاض، وأن المسؤول سوف يصب جام غضبه على المقاول الذي قام بانشاء الجسر، وأنه لن يفلت من العقاب، وسوف يقدم الى المحاكمة لتقول العدالة فيما اقترفته يداه كلمتها الفصل، حتى يغدو عبرة لغيره من المقاولين المتلاعبين بأرواح البشر وممتلكات الدولة، غير أن شيئا من هذا لم يحدث، استنادا الى فحوى كلمات التصريح، وهذه الصورة الجديدة من صور الفساد تعيد الى ذاكرتي وذاكرة غيري من المواطنين تفاصيل وجزئيات ما حدث في الدورة السادسة لمنتدى الرياض الاقتصادي الذي انعقد قبل فترة قصيرة، وأجمع أعضاء المنتدى على أهمية محاصرة الفساد بمختلف أشكال المحاصرة، وتضييق الخناق على المفسدين لاحتواء تلك الظاهرة الخبيثة في بلادنا والقضاء عليها.وأذكر أن المنتدى شدد على أهمية توصية طرحت أمام المجتمعين تتعلق بضرورة انفاذ بنود خارطة طريق تستهدف محاصرة تلك الظاهرة وتقليم أظافر مرتكبيها، كما أجمع المشاركون على أهمية المكافحة وأن الأهمية تنطلق في أساسها من ربط أجهزة المكافحة مباشرة بشخصية طويل العمر قائد هذه الأمة خادم الحرمين الشريفين -يحفظه الله- وهو ربط يقتضي كما أظن تخويل مجلس الشورى صلاحيات جديدة تمنحه حرية التحقيق والمساءلة والبت في قضايا الفساد وكبح جماح تلك الظاهرة من خلال انشاء نظام مراقبة للكشف عن انجازات المشروعات الحكومية للتأكد من عدم التلاعب بطرائق تنفيذها وطرح مناقصاتها، ولعلي أذكر أيضا أن من افرازات ذلك المنتدى الحيوي ما أوصى به المجتمعون بأهمية المسارعة الى تطبيق نظام الحكومة الألكترونية عند طرح المناقصات لسد الثغرات التي قد يحاول غير المستحقين والمؤهلين من المقاولين التسلل منها لانفاذ المشروعات المطروحة على طريقته الخاصة، وأعني بها طريقة «كيفما اتفق»، وهي الطريقة التي أدت الى سقوط جسر الدمام/ الرياض مدار البحث، وهي من أهم ألوان الفساد وصوره المكروهة.وأظن أن الوقت قد حان لنزع عباءة الخوف من أكتاف العديد من الموظفين والمسؤولين الذين يجب عليهم -دون وجل أو خجل- الابلاغ عن الفساد والمفسدين، بل يجب تحفيزهم على شجاعتهم ان أبلغوا حفاظا على أرواح البشر وممتلكات الدولة، ومن يتردد في الابلاغ- رغم علمه ويقينه بما يحدث أمام عينيه من صور الفساد- فإنه يعتبر شريكا ضالعا في تلك الظاهرة الممقوتة، وأنه كالنعامة التي تخفي رأسها في التراب خوفا من الصيادين، ولا بد أن يدرك المتستر على أفاعيل المفسدين أنه خارج عن الأنظمة والقوانين المرعية، كما أن انشاء نظام المراقبة المطروح آنفا في الأجهزة الحكومية سوف يحول دون استشراء موجة الحصانات والاستثناءات والمحسوبيات، كما أن من الضرورة بمكان نشر التوعية الكافية بين صفوف الموظفين في القطاع العام لتبيان مساوئ ظاهرة الفساد بمختلف صورها ومسمياتها وأهدافها الشريرة، وقد حان الوقت كما أظن تفعيلا للخطوات الجادة للقضاء على ظاهرة الفساد في بلادنا العمل على منح مجلس الشورى صلاحية مناقشة مشروع الموازنة العامة السنوية للدولة قبل عرضها على مجلس الوزراء الموقر، ومنحه الصلاحية الكافية أيضا لمساءلة الأجهزة الحكومية عن أدائها، لا سيما فيما يتعلق بانفاذ مشروعات الدولة ما صغر منها أو كبر.