كتب سوداء
أتفق تماما مع الرأي الذي يقول: إن صدور "الكتاب الأسود" عن رئاسة الجمهورية التونسية أحدث حراكا كبيرا في أواخر النصف الثاني من العام 2013م في الشارع الثقافي والإعلامي والحقوقي في البلاد التونسية، ولأن الكتاب من تأليف الرئيس التونسي المؤقت الدكتور محمد المنصف المرزوقي، فقد كان موضع نقاش وجدل كبيرين في وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة. الحديث هنا عن كتاب ألفه رئيس دولة، وأحدث ضجة غير مألوفة عند صدوره قد يجعل القارئ الكريم بحاجة لمعرفة ما تيسر حول قصة هذا الكتاب. النقطة الاولى الجديرة بالملاحظة وربما هي قاعدة شبه عامة هي أننا لم نألف في البلاد العربية أن يكون الحاكم أو الرئيس منتجاً للكتاب. هذه القاعدة اخترقت في التاريخ العربي المعاصر مرتين، من قبل حاكمين عربيين أصبحا في ذمة التاريخ كما يقال، وفي دار الحق التي لن يروا فيها ظلماً وإن كانا ظالمين لشعوبهما وقبل ذلك لنفسيهما عندما كانا على قيد الحياة. مفهوم الظلم لدى هاتين الشخصيتين من زاوية الموضوع الذي نناقشه ذات طابع ثقافي ونفسي في اغلب التقدير، ويعني عندي أن شخصية الحاكم لم تتماهَ مع طبيعة المهمة، التي يفترض ان تقوم بها وتبرع فيها، وهي سياسية الناس وقيادة البلاد. وسعت تلك الشخصيات بطريقة تشبه الحسد والتطفل إلى منافسة أهل الأدب والكتابة حرفتهم.قطاع كبير من التونسيين رأى أن الكتاب يصب في مسار دعم الثورةوعلى سبيل المثال فاجأ الناس في العام 2000م الرئيس العراقي السابق صدام حسين بصدور رواية اهتم بها الاعلام العراقي حينها، وترجمت للغات عالمية قيل إنها من تأليف الرئيس، والعنوان الرئيس للرواية "زبيبة والملك" تدور حول قصة فتاة عادية وعلاقتها بمسؤول. اغفل اسم المؤلف وكتب بدلا عنه "حب، وخيانة ومؤامرات وحروب" الطريف انها أي الرواية تحولت في هوليود إلى فيلم بعنوان الدكتاتور. الاكثر طرافة وغرابة في نفس الوقت ان هناك من قال: إن هذه الرواية تنبأت بالاحتلال الامريكي للعراق، والذي أُشير إليه في الرواية بمعادل رمزي هو الاغتصاب الذي تعرضت له البطلة "زبيبة"، ومع ذلك فشل الرئيس والنظام في مواجهة الحقائق على الارض. العقيد القذافي هو الشخصية العربية الحاكمة الأخرى التي ربما سعت لتجريب كل شيء في هذه الحياة حتى قيل أنه فكر في تصميم المركبات الرياضية ذات يوم، هو الآخر أنتج مجموعة قصصية حملت اسما غريبا، هو عبارة عن عناوين القصص التي قيل إنها قصيرة ضمن المجموعة. التي حملت اسم «القرية القرية الارض الارض انتحار رائد الفضاء». تعمدت الاشارة إلى هذين النموذجين من الحكام العرب لتوضيح أمر مهم في شخصية الرئيس التونسي المؤقت السيد المرزوقي، وهو أنه على خلاف النموذجين السابقين جديد على مهنة الحكم والادارة، وقادم من رحم الكتابة والتأليف في الجانب الحقوقي على وجه الخصوص، الشيء المهم هنا ايضا هو ان الرجل يعد من الوجوه المعروفة في مجال حقوق الانسان، وذلك من خلال انخراطه في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، والتي شهدت علاقات متوترة في علاقاتها بالسلطات التونسية الرسمية خلال العقدين الماضيين. أمر مهم في كتاب المرزوقي الاسود أنه صدر عن رئاسة الجمهورية، وقيل إن المرزوقي استوحى مادة الكتاب من الوثائق الرسمية الاصلية التي وجدت في قصر قرطاج، ولم يخترع شيئاً من عندياته. ويقع الكتاب الاسود الذي يتحدث بتفصيل عن منظومة الدعاية تحت الحكم السابق في تونس في ما يقرب من 354 صفحة، واحتوى على عدد هائل من اسماء صحفيين واعلاميين وناشرين قاربت 376 اسماً من داخل البلاد التونسية ومن البلدان الاخرى، حتى غير العربية. ومضمون البحث الرئيسي في الكتاب، هو بيان كيف سعت اجهزة بعينها في فترة حكم النظام السابق في تونس، إلى القيام بعملية مزدوجة أو ذات وجهين، الأول تشويه سمعة المعارضين أو من يختلفون مع النظام اجتماعيا وسياسيا وحتى أخلاقياً. وفي الجانب الآخر كيف سعت تلك الاجهزة إلى تلميع صورة النظام ورموزه. قطاع كبير من التونسيين رأى أن الكتاب يصب في مسار دعم الثورة. أما من تطرق لهم او لمصالهحم من الكتاب فقد حاولوا النيل من مضمونه ومن كاتبه بحججهم الخاصة. كنت اتوقع أن يهتدي المؤلف لاسم الكتاب الابيض بدلا من الاسود، كون الكتاب يكشف عن بعض الحقائق، ولكن يبدو أن كل الكتب في البلاد العربية سوداء.