د. ابراهيم العثيمين

افتراس الذات العربية والحكمة اليمانية

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا الإيمان يمان والحكمة يمانية» (أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما). ففي ظل تساقط اوراق الخريف العربي في كثير من بلدان ما يسمى بالربيع العربي حيث تتصاعد الخلافات والانقسامات والحروب الأهلية ومحاولة جر البلدان الى متاهات الفوضى والتخريب والدمار جاثية على ركبتيها غير قادرة على الوصول الى الامن والاستقرار. لا يزال الشعب الفلسطيني يعانى الاحتلال، ولا  تزال اعيونهم متعبة وأجسادهم منهكة من القهر والظلم منذ أكثر من ستين سنة. ولا تزال سوريا تعيش تحت احتلال ظالم ومأساة انسانية تجاوزت كل الخطوط الحمراء في الاجرام وانتهاك حقوق الانسان وسط آلاف القتلى والمصابين والمشردين. فهذا النظام المجرم استخدم سياسة الأرض المحروقة، وشن حرب إبادة جماعية ضد شعبه في سبيل إصراره على التمسك بالسلطة. وبجوار سوريا هناك لبنان الذى يعيش انقسامًا طائفيا واحتلالا ايرانيا من خلال ذراعها العسكري حزب الله الذي استطاع بسبب ضعف الدولة والدعم الايراني- السوري ان يتحول الى دولة داخل الدولة، وان يتمدد في مؤسسات الدولة، ويشل قدرتها على الحركة.أثق بأن الحكمة اليمانية ستكون حاضرة في التعامل مع مختلف القضايا اما ليبيا فمنذ الاطاحة بنظام معمر القذافي قبل عامين، لا تزال البلاد تعيش فوضى أمنية غير مسبوقة تتنازعها الصراعات القبلية والجهوية، ففي ظل دولة مشبعة بالسلاح، باتت لبيبا محكومة بالمليشيات ذات الانتماءات العشائرية والمناطقية التي اغتصبت الأمن، وشلت أي دور لمؤسسات الدولة.اما العراق فلا يختلف المشهد كثيرا عن بقية دول الربيع فلا يزال العراق  يعاني صراعًا داخليًا يهدد بعدم الاستقرار بين مكونات شعبه في ظل حكومة طائفية تتحكم فيها ايران. فهذه الحكومة استخدمت سياسة النهج الطائفي كوسيلة لتبرير عملية التميز ضد اطياف الشعب العراقي الامر الذي زاد من حدة الانقسامات الطائفية والعرقية بين شرائح المجتمع العراقي. وفيما يخص الاوضاع في مصر فلا تزال مصر تعيش مخاضا امنيا وسياسيا عسيرا بعد حكم الاخوان الذي حاول جر البلد الى خندق الفاشية الدينية والاستحواذ على كل السلطات وتطويع وتسخير كل مقدرات الدولة لمصلحة الجماعة. هنا وفي ظل هذا المشهد المأساوي الذي تحاول فيه شعوب بلدان ما يسمى بالربيع العربي الوصول الى الامن والاستقرار، تتجلى الحكمة اليمانية من خلال ما شاهدناه يوم السبت الماضي 25 يناير 2014 من توقيع الوثيقة النهائية التي تحدد شكل الدولة. فبعد اشهر قليلة من انطلاق الثورة الشبابية في اليمن ضد الرئيس صالح مطلع العام 2011 وتأزم الوضع السياسي بين المعارضة والسلطة توسطت الدول الخليجية من خلال مبادرة  لتسوية الازمة بين السلطة والمعارضة لضمان عملية الانتقال السلمي للسلطة وحماية اليمن من السقوط في مستنقع الحرب الاهلية. قبلت السلطة اليمنية الوساطة الخليجية وتم التوقيع على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية. تضمنت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية أربع خطوات للعملية الانتقالية وهي: 1- تحضير لمؤتمر الحوار الوطني. 2- عقد مؤتمر الحوار الوطني الشامل. 3- صياغة الدستور. 4- التحضير لإجراء انتخابات عامة في نهاية العملية الانتقالية. وتنفيذا للمبادرة الخليجية، شرع الرئيس هادي عبدربه منصور في تشكيل اللجان التحضيرية الممهدة للحوار ثم بدأت اولى جلسات الحوار في 18 مارس 2013 والتي استمرت قرابة السنة في سلسلة من اللقاءات والاجتماعات التي شارك فيها ممثلون عن مختلف الاحزاب السياسية وفئات المجتمع اليمني باستثناء الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال واستعادة دولة الجنوب. استطاع هذا المؤتمر ان يواجه كما هائلا من التحديات والصعوبات وتهيئة الأوضاع الأمنية والسياسية في سبيل اعادة انقاذ اليمن وضمان عملية الانتقال السلمي للسلطة. ان محاولة تفكيك هذه القضايا وطرحها عن طريق الحوار هو مؤشر عن الحكمة اليمانية التي تجلت كما قلت في توقيع الوثيقة النهائية للحوار الوطني -التي جاءت وفق اتفاق نقل السلطة المتمثل في المبادرة الخليجية- إلى تشكيل دولة اتحادية مكونة من عدة أقاليم حسب ما اتفقت عليه الأطراف. الا انني استدرك واقول انه رغم الاجواء الاحتفالية التي شهدها توقيع وثيقة الحوار الوطني بصورتها النهائية، ورغم سعادتنا بهذا الانجاز الحقيقي إلا أن نتائج هذا المؤتمر تنقل اليمن من المرحلة الانتقالية إلى المرحلة التأسيسية التي ينبغي ان تؤدي الى صياغة دستور جديد وتنظيم انتخابات شفافة وذات مصداقية. وهذه المرحلة محفوفة بتحديات كبيرة لا تقل اهمية عن المرحلة الاولى. فاليمن لا يزال يعيش وضعا  امنيا وسياسيا صعبا بسبب اطراف من الداخل أو من الخارج تحاول عرقلة أي تسوية سياسية وتقف حجر عثرة أمام مستقبل اليمن. فلا يزال كثير من هذه الاطراف يفضل الصراع المسلح والعنف بديل من تغليب الحكمة والحوار، بل ان كثيرا من هذه الاطراف تعمل على توظيف العنف والصراع المسلح والاختلالات الامنية كأوراق سياسية لتحقيق مصالحها الشخصية. وبالتالي من المتوقع ان يظل الوضع الامني حاضرا بقوة في الفترة القادمة وهو تحد كبير يواجه المرحلة القادمة. ولعلي هنا أكتفي بطرح مجموعة من التساؤلات علها تكون عناوين لتحديات المرحلة القادمة «مرحلة التأسيس» من مثل كيفية تعامل القوى السياسية اليمنية مع الحراك الجنوبي المنسحب من الحوار الوطني الذي يصر على قيام دولة من إقليمين تستعيد من حيث الشكل حدود دولتي شمال وجنوب اليمن السابقتين؟ او كيفية التعامل مع الحركة الحوثية المدعومة من إيران والتي تعمل على إعاقة مسار العملية السياسية وتعقيد الوضع السياسي؟. كل هذه الاسئلة والاستشكالات القلقة ومدى تعامل القوى السياسية معها هي كفيلة بتحديد بوصلة المسار السياسي في المرحلة القادمة مرحلة التأسيس. لكني واثق بأن الحكمة اليمانية ستكون حاضرة في التعامل مع مختلف القضايا السياسية والامنية، وان انصار الحكمة اليمانية سيستطيعون التغلب على كل القوى التي تعمل على اعاقة الانتقال السلمي من اجل مستقبل اكثر امنا وازدهارا.