د. ابراهيم العثيمين

اتفاق إيران النووي وقدرته على الصمود

بدأت إيران والدول الست او 5+1 المعنية بملف ايران النووي يوم الاثنين الماضي 20 يناير 2014، تنفيذ اتفاق جنيف الذي أبرمه الجانبان في 24 نوفمبر2013، والذي يأملان أن يفضي خلال سنة إلى تسوية نهائية تغلق هذا الملف المفتوح منذ أكثر من عقد. وعليه فقد باشرت ايران اعتبارا من الاثنين الماضي تجميد جزء من انشطتها النووية الحساسة لمدة ستة اشهر، لقاء رفع جزئي للعقوبات التي تستهدف اقتصادها، في مرحلة اولى نحو التفاوض في اتفاق بعيد المدى. فبحسب بنود الاتفاقية، فإن إيران تلتزم بالحد من تخصيب اليورانيوم بنسبة 5% وتحويل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، وتجميد أنشطتها في موقعي نظنز وفوردو بمستواها الحالي، وفي مفاعل أراك الذي يعمل بالماء الثقيل، ووقف تركيب أجهزة طرد مركزي جديدة في هذا المواقع، حيث يبلغ عددها 19 ألفا في الوقت الراهن،اعتقد ان الطريق لا يزال طويلا قبل الوصول الى تسوية نهائية بخصوص برنامج ايران النووي والسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول؛ للقيام بمزيد من اعمال التفتيش في المواقع النووية، وهذا يشمل يوميا  منشأتي فوردو وناتنز للتخصيب. وفي المقابل، تعهدت الدول الكبرى الست برفع جزء من عقوباتها المفروضة على إيران خلال هذه الفترة بما يقارب سبعة مليارات دولار (أكثر من خمسة مليارات يورو). الا انني مع هذا كله اعتقد ان الطريق لا يزال طويلا قبل الوصول الى تسوية نهائية، بخصوص برنامج ايران النووي ودخول هذه الاتفاقية المؤقته حيز التنفيذ، وذلك يعود برأيي الى سبب رئيسي وهو مدى جدية ايران نفسها بالوصول الى حل جذري للازمة. فهل ايران لديها الجدية بخفض جذري لعدد الطاردات المركزية. وهل لدى ايران الجدية بوقف عمل محطة فوردو للتخصيب بشكل نهائي. الواقع يقول عكس ذلك، فاعتمادا على ما صرح به مؤخرا علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بان ايران انتجت جيلا جديدا من اجهزة الطرد المركزي يصل الى 2000 جهاز طرد مركزي. اما بخصوص محطة فوردو فإن ايران زادت من عدد اجهزة  الطرد المركزي في المحطة بمقدار الثلث تقريبا في ثلاثة اشهر. وبالتالي فإن تجربة  العشر سنوات الماضية كانت غير سارة ولا تبعث على التفاؤل. فايران كانت  ولا تزال  تعتمد على سياسة المماطلة، ومحاولة كسب الوقت ليظل باب الدبلوماسية مفتوحاً. ولنفترض جدلا ان هذا التحليل موغل في التشاؤم ومحكومٌ بالأوهام والسوداوية، فأين يذهب المتفائلون الذين يرون ان ايران تتجه نحو تنفيذ حقيقي لبنود اتفاق جنيف لتسوية الملف النووي، من الوثيقة التي سربتها جريدة الشرق الاوسط يوم السبت الماضي تاريخ 18 يناير 2014، في عددها 12835 عن مرسوم سري جرت الموافقة عليه في جلسة للمجلس الأعلى للحرس الثوري الإيراني في طهران، بتاريخ 22 أبريل 2013  لإنشاء عدد من شركات «الواجهة»، التي تعمل لمصلحة جهات غير الجهة المعلنة، بهدف مواصلة البرنامج النووي. وتضيف الوثيقة ان هذه الشركات الواجهة سينطلق معظمها من تركيا، والنمسا، واليونان، وقبرص، بعد إخطار قصير المدى، لتحل محل الشركات التي قد تخضع للعقوبات الدولية. وتتولى تنسيق جميع الاعمال التجارية المرتبطة بمشروع ايران النووي شركة تدعى «خاتم الأنبياء»، أنشأها الحرس الثوري الإيراني. ووفقا للوثيقة،  فإن قرار شركات الواجهة سيظل ساريا حتى 21 مارس 2014، مما يعني ان روحاني وحكومته على علم بهذا القرار، والتزموا الصمت والتغافل عنه او انهم مشاركون فيه.وسأعطي المتفائلين خبرا آخر ربما يكون سارا لهم، وهي الوثيقة التي نشرتها صحيفة «التايمز» البريطانية في 10 أغسطس 2013 من أن دولة زيمبابوي وقعت عقدا سريا لبيع اليورانيوم الخام  لإيران، مستشهدة الصحيفة بمقابلة لجيفت شيمانيكيري، نائب وزير المناجم في زيمبابوي، والذي كشف فيها النقاب عن توقيع زيمبابوي مذكرة تفاهم لتزويد إيران باليورانيوم. حيث قال: "رأيت عقداً يتعلق بتصدير اليورانيوم إلى إيران" إلا أن شيمانيكيري أوضح لم تعرف به إلا «حفنة من الأشخاص في قمة السلطة». وطبقاً لشروط تلك الصفقة؛ فإن إيران ستستطيع الوصول إلى ما يقدر بـ 455 ألف طن من اليورانيوم الخام الذي يمكن أن ينتج 20 ألف طن من اليورانيوم المخصّب في السنوات الخمس القادمة. هذه التسريبات وغيرها تعكس بوضوح عدم جدية ايران في التوصل الى حل جذري للازمة النووية. وهذا ما أكده الأمير سعود الفيصل في أحد تصريحاته من أن الإيرانيين يواصلون التفاوض لمجرد التوصل إلى مزيد ومزيد من المفاوضات في المستقبل، فهم كالفلاسفة يستمرون بالحديث دون توقف حول موضوع لا نهائي. وهذه الحالة كذلك تعكس حالة الارتباك الذي يشهده الداخل الايراني بين اعضاء القيادة حول الملف النووي، والذي عكسه بوضوح سلسلة مناقشات المجلس الاعلى للامن القومي الايراني بين المطالبين بالاستمرار في البرنامج النووي، والذي يمثله خط الصقور ممثلا في أفراد من الحرس الثوري، وبين المطالبين بتسوية الملف النووية، وهذا يمثله الخط البرغماتي المتمثل بالرئيس روحاني والتيار الاصلاحي، الذين يريدون تخطي ازمة العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب عليها قبل سنوات عدة، واثرت على اقتصاده وزادت من حالة الاحتقان السياسي واحتمالية تفجر الوضع. الا ان هذا التيار اقصد الاصلاحي لا يزال هشا في مقابل التيار المحافظ المتشدد المهيمن على المشهد السياسي. فخلال الثماني سنوات التي مضت، أي مع نهاية حكم الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي خضع هذا التيار لعملية إقصاء وتهميش من المشهد السياسي. ولا يزال المرشحان الإصلاحيان مير حسين موسوى ومهدي كروبي اللذان خسرا الانتخابات في عام 2009 تحت الإقامة الجبرية في المنزل منذ أكثر من عامين. وعليه فإن سلمنا ان هذا التيار (الاصلاحي) الذي يزعم قيادته الرئيس روحاني يسعى نحو تسوية حقيقية للملف النووي، فإن هذا يستحيل تصوره في ظل هيمنة المحافظين على القرار السياسي، سواء في البرلمان أو الرئاسة أو أجهزة الدولة الرئيسية الأخرى.