لذة الانحراف
يقال إن الضمير الحي أو اليقظ لا يمنعك من ارتكاب الذنب، لكنه يمنعك من الاستمتاع به، هذه المقولة لا تتفق مع ذنوب أو انحرافات كثير من الفصائل النفسية للشباب، بل وحتى من هم على أعتاب مرحلة الكهولة.. فانحرافات هذه الفئة لا تعرف أنصاف الحلول وتسير على مبدأ (أكون أو لا أكون)، فالالتزام بمبادئ الدين وأخلاقه تتجاوز عند مراهقينا وبعض رجالنا نهج أركان الإسلام الخمسة وإعفاء اللحية، إلى البحث عن إراقة الدماء وجلب المآسي تحت راية "الجهاد المزعوم".في عهود ليست ببعيدة كانت الأسر تتفاءل بأخلاق أبنائها الذكور عندما يظهر عليها سمات التقوى ظاهريا، الآن هذه المؤشرات الخارجية أصبحت مدعاة للذعر لهم، فهي علامات منذرة للسير في طريق منعوج غير مبشر بالخير.العقل البشري وصل إلى درجات متقدمة جدا من العلم والمعرفةوفي الطرف المقابل لهذا النموذج الانحرافي المدفوع باعتقادات دينية ضالة، يأتي ذلك الانحراف المدفوع بأسباب متناقضة تماما للنموذج السابق، متعلقة بالتفسخ من القيم الدينية والأخلاقية الرفيعة، وتظهر في شكل شخصيات من البشر تترك أبناء لها في دول مجاورة من نساء عربيات أو غير عربيات يحملن الخزي بلا ذنب، سوى إعطاء الثقة لنزوات زواج مؤقت، مع ملاحظة أننا نقر ولا ننكر أن الانحراف موجود في كل الأزمنة والأمكنة والعهود والحضارات وبأشكال مختلفة، وأن ما يعتبر انحرافا وخللا أخلاقيا في زمن معين قد لا يعد كذلك في زمن ومكان آخر، وحديثنا هنا لا يأتي إلا لإيضاح سماته التي طرأت على ملامحه العامة في المجتمع..فحري بنا أن نتساءل لماذا تبزغ من بقعتنا وبيئتنا، كونها محافظة وتربي أبناءها على القيم الإسلامية والفضائل العليا، انحرافات متناقضة جدا تتسرب خارج حدود الوطن بهذه النسب المرتفعة؟ لماذا يستغل أبناؤنا للجهاد بحسب الأهواء والأهداف المبتغاة عند البعض، بطريقة يسيرة يسيل لها لعاب كل طامع؟ لماذا يسير بعض رجالنا خلف شهواتهم بهذا الشكل والخزي؟!.في السابق كان الناس يسمعون الأغاني ويشاهدون الأفلام ويرون أنها من الذنوب الكبيرة التي يرجون غفرانها، وربما منعهم ضميرهم الحي أو اليقظ من الاستمتاع بذنوبهم تلك، الآن للانحراف لذة لا يفسدها شيء، فالمنحرف بدواعي ضلال الاعتقاد، والمنحرف بدواعي الملذات أو حتى الأحقاد يمارس ذنبه بلذة متناهية ترضي أواخر غايته. تحدث الكثيرون عن ظاهرة ما يسمى "بتوحش الزمن" وأن الأمور الأخلاقية ستزداد سوءا مع تقدم الزمان، وربطوا كثيرا من المشكلات الاجتماعية بهذه الظاهرة، ورغم أن العقل البشري وصل إلى درجات متقدمة جدا من العلم والمعرفة إلا أنه عجز عن حل مشكلاته الأخلاقية التي تراكمت، وأحدثت ربكة في عالمه الجديد والمتقدم في كل مكان.في ظني أن الأمور بالفعل ستزداد سوءا على مستوى القيم والأخلاق، خاصة مع أزمة الخطاب الديني والوعظي الذي لم يعد مؤثرا في الناس كما السابق، وتضخم الأنا والتباغض مع المختلفين وتفشي ظاهرة الحسد الاجتماعي.. كل هذا في ظل ظروف غابت فيها الشخصيات النخبوية الملهمة التي تبعث في النفوس فضائل القيم والمبادئ. ليتأمل كل منا مضغته الصغيرة خلف أضلعه وما إذا كان يمارس خطاياه بلذة معها أو غير لذة، ليعرف أحية هي أم قضت؟.