د. سعود العماري

نظام التحكيم السعودي الجديد: تطور نوعي مهم (1/2)

يعتبر التحكيم من وسائل تسوية المنازعات في مختلف الأزمنة والعصور، فقد عرف التحكيم عند الإغريق والرومان والعرب قبل ظهور الإسلام، وقد حَكَّمت قريش الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قضية وضع الحجر الأسود، ولما جاء الإسلام أقر بمشروعية التحكيم، كما عُمِلَ بالتحكيم في قضايا الخلافات الزوجية، وكان التحكيم في الخلاف بين الصحابة حيث حُكِّمَ أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص في موقعة صفين في الخلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.   وفي ظل التطورات الاقتصادية أصدرت المملكة نظام التحكيم السعودي الجديد لعام 1433هـ (2012م)؛ ليكون وسيلة فاعلة في الفصل في المنازعات التجارية، حيث حل النظام الجديد بديلاً عن نظام التحكيم الملغى الصادر في 1403هـ (1982م)، وجاء مواكباً للتطور الاقتصادي والتنموي الذي تشهده المملكة، ومن جهة أخرى جاء النظام الجديد متماشياً مع قانون الأونسيترال النموذجي الذي يعد قانوناً نموذجياً للدول، وذلك لتحقيق الغاية المنشودة من إصداره، ولتلافي عيوب نظام التحكيم الملغى، حيث عالج نظام التحكيم الجديد كافة مراحل وإجراءات التحكيم في إطار تنظيمي روعيت فيه المبادئ العامة للتحكيم التجاري الدولي مع مراعاة ضوابط وأحكام الشريعة الإسلامية.وقد كان من دواعي سروري أن أحضر في الشهر الماضي في لندن مراسم توقيع الشراكة التحكيمية بين مجلس الغرف السعودية وغرفة التجارة العربية البريطانية، والتي لا شك أنها خطوة مباركة نحو الاتجاه الصحيح إن شاء الله، فقد أكد معالي وزير العدل، الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، أثناء مراسم توقيع الشراكة على أن نظام التحكيم الجديد جاء ليؤكد على احترام إرادة أطراف النزاع في اللجوء إلى التحكيم، ومن جهة أخرى فإن حكم التحكيم وفقاً للنظام الجديد يحوز حجية الأمر المقضي به ويتم الطعن ببطلانه أمام محكمة الاستئناف مباشرة، كما أفاد معاليه بأن الجهات المعنية تعمل على إنشاء مركز للتحكيم مما يؤدي إلى تفعيل هذه الوسيلة الناجعة في الفصل في المنازعات، الأمر الذي ينتج عنه -بإذن الله- تخفيف الأعباء على القضاء العادي خصوصاً في المسائل التجارية المهمة.ويعرَّف التحكيم بأنه «الاتفاق بين طرفين أو أكثر على إحالة المنازعات التي تنشأ عن علاقة نظامية محددة إلى التحكيم»، فالتحكيم عقد رضائي يشترط فيه الأركان العامة للعقد كالرضا والمحل والسبب، ومن جهة أخرى فإن التحكيم وفقاً للنظام الجديد قد يكون دولياً أو داخلياً، حيث أورد النظام الجديد أحكاماً خاصة للتحكيم الدولي في المادة الثالثة بعكس نظام التحكيم الملغى الذي اقتصر على التحكيم الوطني وخلت نصوصه من أية إشارة إلى التحكيم الدولي.وتبدأ إجراءات التحكيم ابتداءً بالاتفاق على إحالة المنازعات المرتبطة بعلاقة تعاقدية أو غير تعاقدية إلى التحكيم، فالاتفاق ركن من أركان التحكيم ولا يتصور وجود التحكيم دون وجود اتفاق مكتوب، فقد نص النظام الجديد على ضرورة تحقق شرط الكتابة لاتفاق التحكيم كإجراء شكلي يتضمن وجود محرر كتابي أو وسيلة من وسائل الاتصالات الالكترونية كالبرقيات أو غيرها، وإلا كان الاتفاق باطلاً ولا يرتب أي أثر.ويجيز النظام الجديد أن يكون اتفاق التحكيم سابقاً على قيام النزاع أو لاحقاً لقيام النزاع حتى وإن كانت هناك دعوى منظورة أمام المحكمة المختصة، ويجب في هذه الحالة أن يحدد اتفاق التحكيم المسائل التي يشملها التحكيم وإلا كان الاتفاق باطلاً، وهو ما يعني بجواز قيام المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع بإحالة الموضوع إلى التحكيم تلبية لإرادة أطراف النزاع.وينبغي الإشارة فيما نحن بصدده إلى أن النظام الجديد قد اعترف بمبدأ استقلالية شرط التحكيم، ويقضي هذا المبدأ باستقلالية شرط التحكيم عن كافة الشروط الأخرى الواردة بالعقد، فلا يترتب على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم الوارد بالعقد طالما أن الشرط صحيح في ذاته.ويتمتع الخصوم بحرية اختيار المحكمين وفي حال عدم اتفاقهم تتولى المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع بتشكيل هيئة التحكيم وفقاً لما هو منصوص عليه في النظام، ومن حيث عدد هيئة التحكيم فإنها تشكل من محكم واحد أو أكثر بشرط أن يكون عدد المحكمين فردياً وإلا كان التحكيم باطلاً، ويشترط في المحكم وفقاً للنظام الجديد أن يتمتع بالأهلية الكاملة، وحسن السيرة والسلوك، بالإضافة إلى حصوله على شهادة جامعية في العلوم الشرعية أو النظامية، ويكتفى بتوافر هذا الشرط في رئيس هيئة التحكيم إذا كانت مكونة من أكثر من محكم. وسنتطرق لإجراءات التحكيم فيما يتعلق في الفصل في النزاع بين الأطراف وفقاً للنظام الجديد في الجزء الثاني من هذا المقال إن شاء الله.