جرائم ذوي الياقات البيضاء
جرائم غسيل الأموال من الجرائم الدولية الخطيرة التي يمكن أن تُنهك أي اقتصاديات وطنية تستهدفها، نظرًا لما تخلقه من حركة مالية موازية للواقع واقتصاد هامشي يضر بمقومات ومعطيات تلك الاقتصاديات، ويفرز داخلها كثيرًا من الجرائم الجنائية والأخلاقية مثل الرشوة والاختلاس وغيرهما من الجرائم الخطيرة، وذلك يخصم من الرصيد التنموي، ويفرز سلوكيات غير أخلاقية في الممارسة الاقتصادية، ويشيع نوعًا من الارتباك في جميع العمليات الاقتصادية. نحتاج إلى رفع وعينا الأمني في كثير من القضايا، وطالما أن اقتصادنا الوطني يتطور ويدخل في دائرة تنافسية دولية كبيرة فهو معرض لمخاطر مثل هذه، ويتوقع أن يأتي ذوو الياقات البيضاء فرادى وجماعات للاستثمار والشراكة مع رجال الأعمالولخطورة هذه الجرائم التي تعرف في الأدبيات الاقتصادية باسم (جرائم ذوي الياقات البيضاء)؛ نظرًا للتضليل الذي يمارسه المجرمون، فقد وافق مجلس الوزراء أخيرًا على صرف مكافأة مالية بنسبة 5% من قيمة الأموال المصادرة بحكم قضائي لمن يبلّغ من داخل المملكة عن عمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب، إذا قدم دليلاً يصلح الاستناد إليه للبدء في التحقيق، فهؤلاء المجرمون يتأنقون ويتحدثون بلغة اقتصادية خادعة ويوهمون الضحايا بقدراتهم المالية والاستثمارية، إلى جانب الفكرة الأخرى وهي وجود أموال طائلة بحوزتهم قد تكون من تجارة مخدرات أو منهوبة ومسروقة، وليس لها جذر في أي دورة مالية نظامية، ويرغبون في تذويبها في اقتصاد وطني لتأخذ مسارًا نظاميًا.مثل هذا السلوك المنحرف يشوّش على الاقتصاديات الوطنية ويخلق بيئة تخريبية موازية لا تتقيد بالقيود الاقتصادية، وتحدث نوعًا من التضخم الذي يستغني فيه طفيليون على حساب مجتمعات بأكملها، ولذلك فهي جريمة جنائية كاملة الأركان، وتتطلب متابعة لصيقة لكل من امتلك أموالاً بطريقة غير واضحة، وذلك واجب المواطنين في الحذر من هؤلاء الذين يثرون دون مجهود، وينفقون أموالاً طائلة غير معروفة المصدر؛ إذ قد تكون من هذا الطريق الذي يتضرر منه الوطن واقتصاده، وليس كل مستثمر يرغب في الشراكة مع رجل أعمال بالضرورة لديه رصيده المالي من عملياته الاستثمارية في الخارج، بل قد يكون مصدرها غير مشروع، وينبغي التأني والحذر والتحقق والتأكد من استثماراته وقدراته الحقيقية التي تؤهله للاستثمار والشراكة.نحتاج إلى رفع وعينا الأمني في كثير من القضايا، وطالما أن اقتصادنا الوطني يتطور ويدخل في دائرة تنافسية دولية كبيرة فهو معرض لمخاطر مثل هذه، ويتوقع أن يأتي ذوو الياقات البيضاء فرادى وجماعات للاستثمار والشراكة مع رجال الأعمال، وهنا لابد من وجود وحدات متخصصة ومتجانسة تنسق مع بعضها بين مؤسسة النقد وهيئة الاستثمار ووزارة الداخلية للتحقق من هوية القادمين الجدد، وتتبع أنشطتهم الاستثمارية في بلدانهم وحول العالم؛ إذ أن تجار المخدرات والسلاح وغيرهم ينشطون في جرائم غسيل الأموال بصورة واسعة لتصحيح المسار المالي لأموالهم، بل ربما هناك دول يمكنها أن تفتح حسابات مصرفية دون قيود تتعلق بمصادر تلك الأموال ويمكن إيداعها فيها، وإعادة تحويلها لدول متشددة ماليًا، بهدف إنهاء الوضع غير الشرعي للأموال وتسييلها بصورة قانونية.ولا ينبغي أن تكون المكافأة المالية وحدها الحافز لليقظة والتنبه لمثل هذه الجرائم، وإنما الدافع الوطني لما لهذه الجرائم الدولية من مخاطر كبيرة على الاقتصاديات، وهي كفيلة بالتسبب في انهيارها إن لم تكن هناك متابعة ورقابة قوية وفاعلة تقوم بها الجهات المعنية، إلى جانب المواطنين الذين يتم تضليلهم وخداعهم كلما تواضع حسهم الأمني.