محمد السماعيل

العلاج الأمثل لمشاكل الطائفية

حدد المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي «أوغست كونت» العلاج الناجع لمشاكل التنافر الفكري، بعد أن وجد المجتمع الفرنسي يعيش في فوضى وتمزق في ظل الأوضاع التي أعقبت الثورة الفرنسية والحروب النابليونية والصراعات السياسية، ما وضعه في موضع البطل المنقذ للمجتمع الفرنسي «الممزق» آنذاك، وجدير بالمجتمعات الأخرى أن تستفيد من تلك التجربة؛ للخروج من مأزق الطائفية الذي بدأ يعمل على تمزيقها.  حين نغوص بحثاً ونقاشاً في جوهر الخلافات بين «الطوائف» وأسبابها الأولى وغاياتها القصوى، فإننا نبحث في الفراغ التافه، ونبتعد بالفكر البشري عن «الواقع» الذي يجمع الشتات ويحقق الانسجام المجتمعي، فالواقع ودراسته وتحليله والاستفادة من كنوزه يمثل أرقى مراحل التآلف المجتمعي وأرقى مراحل تطور الفكر البشريالانسجام والسلام المجتمعي يؤدي إلى التخفيف من حدة النزاع الطائفي وتنافر أفراد المجتمع، كما أن التنافر الفكري يؤدي إلى تمزق حتمي للمجتمع ويغذي الطائفية دون شك، ويقول علماء الاجتماع: «كلما ابتعد أفراد المجتمع في تفكيرهم عن الواقع ازدادت اختلافاتهم»،  ومن هذا المنطلق وضع «كونت»  نظرياته التي منها «الحالة الوضعية، أو حالة الحقائق الواقعية»، وفيصلها هو أن الاختلاف في ميدان الفكر والنظر إنما يقوم في المجالات التي يبتعد فيها الانسان في تفكيره عن «الواقع»، حيث يتناول في مناقشاته أموراً لا سبيل إلى معرفتها والكشف عن كنهها، كالبحث في جوهر الأمور المختلف عليها وأسبابها الأولى وغاياتها القصوى والتي غالباً ما تكتسيها الحالات الغيبية أو الميتافيزيقية، وحدد العلاج الناجع بأن ينصرف أفراد المجتمع بأفكارهم عن هذه المواضيع، وأن يسمو الفكر البشري عن المواضيع الفارغة، ويكف عن التأملات الميتافيزيقية، وأن يقصر اهتمامه على «الواقع» وملاحظة الظواهر والتركيز على العلاقات التي تربط بينها، وبهذا يتوصل الى القوانين التي تتحكم في الظواهر والواقع وتجعلها في متناول الانسان فيستفيد منها فكرا وعملا، وهذه هي الحالة التي أنقذت الفرنسيين من التمزق والفوضى .. أعني «الحالة الوضعية، أو حالة الحقائق الواقعية»، فمن خلالها يتم الاتفاق وتزول الاختلافات في المجتمع؛ لأن الحقيقة الثابتة هي أن كل جزء من النظام الاجتماعي يؤثر على غيره من الأجزاء، ولذا وضع  «كونت» هدف تآلف المجتمع وانسجام أفراده من أول أولوياته، وكان يقول: «إن هدف فلسفتي هو إعادة تنظيم المجتمع».حين نغوص بحثاً ونقاشاً في جوهر الخلافات بين «الطوائف» وأسبابها الأولى وغاياتها القصوى، فإننا نبحث في الفراغ التافه، ونبتعد بالفكر البشري عن «الواقع» الذي يجمع الشتات ويحقق الانسجام المجتمعي، فالواقع ودراسته وتحليله والاستفادة من كنوزه يمثل أرقى مراحل التآلف المجتمعي وأرقى مراحل تطور الفكر البشري، بمعنى آخر علينا أن نقوم بالبحث والنظر في «الواقع» بدلا عن نبش التاريخ المؤلم، فالسر وراء تخلف بعض الأمم يكمن في عدم تناولها لأهم أمور «واقعها» بشفافية، وفيها تطغى آراء الأموات على آراء الأحياء، والابتعاد عن هذا يدفع العلاقات المجتمعية بين الطوائف إلى الأمام خطوة بخطوة، على أن تكون الأسرة هي الوسيط بين الفرد والوطن، والوطن هو همزة الوصل بين الأسرة والإنسانية، كما يقول علم الاجتماع الذي سهل علينا الطريق، وساعدنا على فهم واقع المجتمعات الانسانية، وإذا كانت غايتنا انسجام جميع فئات المجتمع، فلماذا لا نسخر نظريات «كونت» في خدمة حل مشاكل عالمنا العربي الطائفية ما دامت هي المنظم الأمثل للمجتمعات الحديثة بحسب ما يقوله أكبر علماء الاجتماع؟