د.إحسان بوحليقة

هرم والحارث

الربيعيون أقوام يسعون لتغيير وضع قائم بقوة السلام أو بسلاح القوة. هذا ما قد تقوله كتب التاريخ مستقبلاً، لكن لما ألصقت صفة «الربيع» بهم، والشاعر يقول: «أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً»، ونحن لا نرى ضحكاً ولا تبسماً؟! تاريخنا العربي زخر بأمثلة كثيرة لجماعات ليس لها من اسمها نصيب؛ فقد درجت العرب في أحايين إلى تسمية الشخص بعكس صفته تهكماً أو إعجاباً. ولعل أمام علماء الاجتماع والنفس مهمة تستحق الدعم من المؤسسات الأكاديمية والبحثية لدراستها وتمحيصها لمعرفة: هل التضاد بين التسمية والصفة له تأثير على السلوك؟ والأمر لا ينتهي عند هذا الحدّ، فقد راج في فترة «الربيعيين» الراهنةالربيع الحقيقي ينطوي على تغيير للأجمل والأحسن والأفضل، فهو تغيير للتجديد ومن ثمه الإثمار. أين كل هذا من ربيعنا العاتي؟ أما التغيير بحد ذاته فسنة كونية؛ فالأشياء والأشخاص والدنيا إلى فناء، ولكن التحطيم والقتل ليست تغييراً ربيعياً بل عنفاالخلط بين الواقع والخيال، حتى أن الثائرة تقوم انطلاقاً من تغريدة قد تكون من شخصية منتحلة، أو انها تستند لخبر مختلق. وهذا يدفع للاستطراد، ففي زمن «الربيعيين» سادت صفة تصديق كل ما يقال مهما كانت شطحاته، وهذا ما يسمى «الأخذ بالظن». هذه أمور تستحق الدراسة الجادة والتمحيص، ليس فقط للاستفادة العلمية الأكاديمية بل كذلك للتعرف على هذه الظواهر وفهمها. لعل الربيعيين يسعون للتغيير، لكن الربيع الحقيقي ينطوي على تغيير للأجمل والأحسن والأفضل، فهو تغيير للتجديد ومن ثمه الإثمار. أين كل هذا من ربيعنا العاتي؟ أما التغيير بحد ذاته فسنة كونية؛ فالأشياء والأشخاص والدنيا إلى فناء، ولكن التحطيم والقتل ليست تغييراً ربيعياً بل عنفا. العرب بحاجة لربيع حقيقي يخرجهم من الضعف والتشرذم والتخلف الاقتصادي والتقهقر التقني، ومن معاداة بعضهم بعضاً، لكن يجب أن يكون ربيعاً سلمياً سلسلاً يسعى للبناء والتقوية وليس للهدم والإضعاف. حالياً، عندما تنظر لمنطقتنا العربية عموماً، وبالأخص للتي أصابها الربيع العربي، ستجد أن تطاحن «داحس والغبراء» عاد إليها من جديد، لم يتغير شيء سوى استبدال البعارين والأحصنة بسيارات دفع رباعي، والصيحات وشعلات النار بالجوال وتغريدات توتير! لعل فيما أقول شيئاً من الدراما، لكن إلى ماذا انتهت «داحس والغبراء» بعد طول قتال؟ إلى صلح، شيء شبيه بجنيف-2 الذي يشغل انعقاده المنطقة في أيامنا هذه. ولا أعرف ما فرص نجاح جنيف-2، وآلة الحرب - بل الحروب - المشتعلة، أما الذي نعرفه جميعاً أن صلح داحس والغبراء صَمدّ وخلده الشاعر الفحل زهير في معلقته، التي منها: (وقفتُ بها من بعد عشرين حجة *** فـلأياً عرَفتُ الـــدار بعــد توهــمِ)، واصفاً ما أحدثته الحرب بين عبس وذبيان من دمار. وقد يقول قائل: لما اسقاط أحداث غابرة على أحداث حالية؟ لسبب بسيط؛ أن أصحاب المصلحة في توقف عواصف «الربيع العربي» العاتية هم من لديهم كل الأسباب والدوافع لايقافها؛ فهم وأوطانهم وأهلهم ومجتمعهم وأرزاقهم يكتوون بنار الحرب كل لحظة، أما من يتكسب من الحرب فلن يطفئها. أما صلح داحس والغبراء فقد سعى إليه رجلان من العرب، هما هرم بن سنان وابن عمه الحارث بن عوف، فأين نحن منهما اليوم، وما أفق نجاحهما لو وجدا؟.