كارثة مياه هل يمكن الخروج منها بسلام؟
نبحث عن موارد جديدة للمياه. لا نبحث عن طرق لترشيد المتاح منها. يذكرني بدوّامة مرض السكري مع (الأنسولين). مطاردة لا تتوقف. إذا زاد الأكل زاد الطلب على كمية الأنسولين، وإذا زادت جرعات الأنسولين زاد الشعور بالجوع. هكذا دوّامة إلى أن يتم إحداث التوازن بين الأكل والدواء. تعاملنا مع المياه الجوفية دوّامة استنزاف لم تتوقف. دوّامة في زيادة سنوية خلال العقود الثلاثة الماضية، تؤكد المزيد من الاهدار على التوسعات الزراعية العشوائية. دوّامة مرعبة لأمثالي. ستقود إلى النضوب ولو بعد حين. نعيش فوضى غياب استراتيجية وخطط وبرامج واضحة للمياه. اندفاع زراعي عشوائي سيقود البلد والأجيال القادمة إلى كارثة مياه لا يمكن الخروج منها بسلام.ظلت هذه المياه العذبة حبيسة داخل الأرض، إلى أن جاء جيلنا، بقهره وعقده النفسية. مع وفرة المال، استوردنا تقنيات الحفر والمضخات العملاقة. استنزفنا وبشكل جائر هذه المياه الثمينة بواسطة حفر الآبار العميقة من أجل زراعة عشوائية في الوقت الذي نُفرّط في مياهنا الجوفية المتاحة، نبحث عن مصادر جديدة. هل في هذا حكمة؟! نعمل لتوسعة نطاق دوائر التفريط دون عقاب ومساءلة. كأن الماء لا يعني شيئا. لزيادة مساحة الرؤية، من المفيد الوقوف على بعض الحقائق لفهم أعمق لمعنى المياه الجوفية وأهميتها. يوجد جزء يسمى (الصخور الرسوبية)، يغطي ثلثي مساحة المملكة. كان بحرا ضحلا. يقع شرق الجبال المحاذية للبحر الأحمر. هذه الجبال تسمى «الدرع العربي». تغطي ثلث مساحة المملكة. أشبة بالدرع الذي يواجه البحر الأحمر، في انكسار حاد وفجائي. لكن جهة الشرق نجد أن صخور الجبال تتدرج في الميول إلى أن تصل إلى أدنى نقطة تحت المنطقة الشرقية. تُشكّل فرشة صخرية كان يعتليها بحر ضحل. بدأ الردم والترسبات في هذا البحر الضحل قبل (600) مليون سنة، إلى أن تشكلت التضاريس الحالية. هذه الترسبات تقع في شكل شرائح بعضها فوق بعض. مثل شرائح الجبن المعروفة. تختلف في السّماكة، وتأخذ شكلا مائلا نحو الشرق، وفقا لميلان انحدار صخور الدرع العربي النّارية الصلدة (الأولية). في مراحل لاحقة ومختلفة، تماسكت ترسبات تفتت الصخور النارية وتصلبت مرة أخرى، بعد أن اختلطت وتشبعت بالمواد العضوية من بقايا النبات والحيوان. هذه الترسبات كونت صخورا جديدة تسمى (الصخور الرسوبية). احتواؤها على المواد العضوية ميّزها عن الصخور النارية (الأولية). يصل سمك جميع شرائح الصخور الرسوبية التي دفنت البحر الضحل، إلى أكثر من (5000) متر في المنطقة الشرقية. وفيها توجد كل ثرواتنا المائية والنفطية. تم تقسيم مراحل ردم وترسبات هذا البحر الضحل إلى ثلاث فترات. الأولى، حقبة شرائح ترسبات الحياة القديمة. الثانية، حقبة شرائح ترسبات الحياة المتوسطة. الأخيرة، حقبة شرائح ترسبات الحياة الحديثة. انتهت بالقشرة الأرضية التي نعيش عليها في الشرقية. ماذا يعني ذلك الشرح؟! أثناء هذه الترسبات، انغلقت الأرض على كميات كبيرة من مياه ذلك البحر الضحل في شرائح الطبقات الرسوبية المتعاقبة. بقيت محصورة إلى مراحل العصور المطيرة القريبة. حيث كانت الأمطار بشكل غزير ليلا ونهارا. كنتيجة تسربت مياه الأمطار العذبة إلى طبقات مياه البحر القديمة. ثم أزاحتها جهة البحر وحلت محلها. كنتيجة نجد عمر هذه المياه من (80 إلى 15) ألف سنة. ظلت هذه المياه العذبة محصورة في مكامنها إلى أن تمكن الإنسان بفعل تقنيات الحفر من الوصول اليها. ثبت أن لدينا تسعة أحواض رئيسية جوفية عميقة. تقع على طبقات مختلفة العمق وفقا لعصر الترسبات. تُشكل الصخور الرسوبية الوعاء الحامل للمياه الجوفية العذبة والثمينة والنادرة. هذه المياه لا تتجدد، مثلها مثل البترول، لا يمكن تعويضها في حال تم سحبها بواسطة حفر الآبار الارتوازية. يوجد ثلاثة أحواض من المياه في حقب الحياة القديمة على أعماق مختلفة، يعلوها ثلاثة أحواض أخرى في حقب الحياة المتوسطة أيضا على أعماق مختلفة، يعلوها ثلاث أحواض أخرى في حقب الحياة الحديثة أيضا على أعماق مختلفة. هذه الأحواض ثروة وكنز ثمين لكل الأجيال. لكن هل تم التعامل معها بحكمة؟! ظلت هذه المياه العذبة حبيسة داخل الأرض، إلى أن جاء جيلنا، بقهره وعقده النفسية. مع وفرة المال، استوردنا تقنيات الحفر والمضخات العملاقة. استنزفنا وبشكل جائر هذه المياه الثمينة بواسطة حفر الآبار العميقة من أجل زراعة عشوائية. زراعة خارج نطاق التخطيط والمنطق والعقل والنظريات العلمية. استنزاف يتعاظم سنويا بشكل غير مدروس. لدينا ثلاث محاصيل: القمح، والنخيل، والأعلاف، تستنزف أكثر من (70) بالمائة من المياه الجوفية النادرة والثمينة. مياه لا يمكن تعويضها. الحقيقة تؤكد أن القطاع الزراعي يستهلك (90) بالمائة من إجمالي هذه المياه الجوفية سنويا. ماذا يعني لكم هذا؟!