طرفة عبدالرحمن

الاستراحات وهرمون السعادة

لماذا احتفل المسلمون برأس السنة الميلادية، رغم أن هذا يعتبر سلوكا مدانا على صعيد الثقافة العامة للمسلمين لاعتبارات دينية عندهم؟ لماذا بالتحديد من السعودية، عبر جسر الملك فهد 56 ألف مسافر في ليلة رأس السنة، بحسب الإحصائية المعلنة؟ هذا طبعا بالنسبة لدولة البحرين فقط، أما الوجهات الأخرى، ومنها دبي فتحمل أرقاما أخرى. لقد اتجه القوم خارج حدود وطنهم، ليعيشوا هذا الحدث بحماسة. فكروا معي في إجابات ملائمة للتساؤل الأول والثاني، بعيدا عن التفسير الديني المتعلق بضعف الأخلاق الدينية عند المسلمين؛ فهذا يقودنا في نهاية المطاف إلى سؤال جدلي كبير؛ وهو لماذا تهلهل الدين عند العرب عامة، وبأي درجة تم تشويهه واستخدامه سياسيا، وانعكس ذلك على أجيالهم التي غدت كارهة لقيمه المتجنى عليها؛ وبالتالي سندخل في تفسيرات متشعبة جدا، ربما تنتهي بنا في التحليل التاريخي إلى مجازر لماذا تهلهل الدين عند العرب عامة، وبأي درجة تم تشويهه واستخدامه سياسيا، وانعكس ذلك على أجيالهم التي غدت كارهة لقيمه المتجنى عليها؛ وبالتالي سندخل في تفسيرات متشعبة جدا، ربما تنتهي بنا في التحليل التاريخي إلى مجازر رؤساء العرب، و»خريف الطغاة» بحسب التسمية التي أطلقها احسان أوغلي على أحداث الربيع العربيرؤساء العرب، و»خريف الطغاة» بحسب التسمية التي أطلقها احسان أوغلي على أحداث الربيع العربي. نعود إلى قضيتنا، وهي سفر السعوديين خارج حدود وطنهم للاحتفال في كل المناسبات عموما، وليس لهذا الحدث بالتحديد؛ فهم يذهبون باعتزاز للاحتفال بعيد الفطر والأضحى أيضا، ويتحينون مناسبات أخرى  للسفر والاحتفال فيها، كالإجازات الطويلة الخاصة بالتعليم والقصيرة الخاصة بالوطن كاليوم الوطني. قد يورد البعض تفسيرات متعلقة بالعامل الاقتصادي ودوره في زيادة البذخ، واعتبار السفر جزءا أساسيا من خطوات الترفيه عن النفس لا تستقيم العملية الترويحية برمتها على مدار السنة إلا به، وهذا عامل لا يمكن انكاره، لكن في المقابل نحن نرى أسرا وشبابا يتداينون، أو يصرفون معظم مدخراتهم الشهرية على هذه المناسبة، وكأنها فرض اجتماعي ونفسي يجب القيام به. ربما الناس تبحث عن هذا المفقود منها وهو الشعور بالسعادة، وتفتش عنه خارج حدود جدران منزلها ووطنها، وحتى نكون منصفين بحق السعوديين، لقد تلمست هذا الأمر حتى من بعض العرب في الدول المجاورة؛ فقد وجدت بعض الأسر العربية متكبدة عناء كبيرا في جمع نفقات رحلتها للسفر لبعض الدول السياحية لذات الغرض، مع أنها تنتمي لبلد الكل يرتاده لهذا السبب، إذن نحن نتحدث عن حاجة إنسانية ملحة، ربما تتعلق بحب المظاهر، وربما الرغبة في التغيير، وربما، وربما، المهم أنها في النهاية تريد أن تؤدي غرضا ما يتعلق برغبة ملحة وجامحة وضاغطة؛ وهي الرغبة في الشعور ببعض من السعادة. فالسفر بهذا التحفز والتحين للفرص له هو أحد مؤشرات الافتقار لـ «هرمون وشعور السعادة»، وهناك مؤشرات أخرى لهذا الافتقار نلحظها في ارتفاع نسب الطلاق والزواج من أخرى، وهروب الأزواج والزوجات والفتيات، حتى كثرة التحفز للاحتفال داخليا، وليس خارجيا في مواسم معينة، يعتبر مؤشرا للبحث عن هذا الهرمون، فالأسر السعودية أصبحت تقيم احتفالا في كل مناسبة بلا مناسبة، فالطلاق والانتهاء من المرحلة التمهيدية للطفل على سبيل المثال أصبحتا أحداثا هامة، يقام لها احتفالات كبيرة وصاخبة!! لا عجب إذن في أن الاستراحات أصبحت استثمارا ناجحا في هذا البلد، فربما ترافق الكبت مع انعدام أماكن الترويح ليشكل عاملا لنجاح هذه التجارة!! ويبقى السؤال الأهم هنا، هل يسلك الناس السبيل الصحيح لارتياد السعادة؟ لا نريد أفرادا سعداء في المجتمع، نريدهم أسوياء نفسيا، لا يفتشون عما افتقدوه في أوطان أخرى ومناسبات بلا قيمة، مثلهم في ذلك مثل الرجل الذي يفتش عن شبابه بين حنايا فتاة قاصر.