استثمار الماضي جزء من مسئوليات الحاضر
بعد حصولي على الدكتوراه، بعشرين عاما من الغياب، رجعت إلى قريتي، غادرتها مطلع سبعينيات القرن الماضي، فلم أجدها، وجدت واديها خاليا من الزراعة والبشر، وكان يعج بالنشاط. اختفت من القرية جميع الحيوانات الدّاجنة، وسلالات الحمير المشهورة، اختفى الدجاج البلدي ذو الألوان الجميلة، أين الأبقار والثيران والغنم؟! حتى الكلاب لم يعد لنباحها مكان في القرية، حتى الطيور لم يعد لها حسّ بالوادي، القطط الأليفة اختفت. ماذا جرى؟!دخلت كالغريب، فلم أجد القرية التي تركت، ما زلت أبحث عنها حتى اليوم، أصبحت أطلالا شاهدة على أن أجدادنا وآباءنا وجيلي مر من هنا، الكل هاجر من القرية، بقي بعض المنحوتات والهياكل والمعالم، التي أنهكها الزمن والتغيرات، تنتظر الزوال. الكثير من شيبانها غادروا القرية؛ بحثا عن العلاج، التحقوا بأبنائهم الذين سبقوهم إلى المدن الرئيسية، ثم ماتوا بعيدا عنها لم أر النسوة حول الآبار في الوادي، أصبحن حبيسات البيوت، تغير مظهرهن الذي أعرف، من الشرشف الأبيض، والشيلة، والمعصب الأصفر، واللثام، إلى العباءة السوداء، تغطي كامل هيئة الجسم، وكن لا يعرفنها. أصبحت الزيارات بين البيوت معقدة الملامح، اختفى نظام البيوت المفتوحة بساحاتها، ارتفعت الجدران حول كل منزل جديد. دخلت الكهرباء القرية، تغير معها نمط الحياة، دخلت حضارة جديدة مع أسلاك الكهرباء. الإرسال التلفزيوني يغطي سماء القرية، الناس يتواصلون بالتلفون، توقف جلب المياه على أكتاف ورؤوس النساء. هناك شبكة للمياه، تغطي جميع بيوت القرية، في حال تعطلها، هناك المكائن الكهربائية، لضخ المياه من آبار الوادي إلى البيوت عبر الأنابيب الحديدية. توقف التحطيب من هيجة القرية، لم يعد هناك حطب للنار، هناك الغاز وأفياش الكهرباء المعلقة في جدران البيوت الحديثة.البيوت الصخرية القديمة النابعة من البيئة، أصبحت مهجورة ومتهدمة، تنتظر الإحسان. حلت بيوت الاسمنت والخرسانة المسلحة، دخل الإسفلت القرية، ترى أنواع السيارات بجانب كل بيت جديد، بالقرية بقالة عامرة، الجرائد والمجلات تصل يوميا. ظهر حول القرية التاريخية الصغيرة مبان حديثة عشوائية. كل بيت نتوء فوق الأرض بحضارة زائفة، والناس فيها لا يعملون، كبار الجماعة أصبحوا خردة في هذه العشوائيات المتناثرة، لم يعد لهم حاجة، وظيفتهم انتظار الموت، أصبح في القرية مدرسة للبنات، ابتدائي، ومتوسطة، وثانوية. وهذا أمر مفرح، كجزء من التسويات التاريخية بين أولاد القرية وبناتها. تغيرت النفوس، تغيرت معالم ومؤشرات ومعايير الرجولة، كم في جيبك من المال؟! المقياس الجديد، يحدد أهميتك ومركزك الاجتماعي، الغريب أنهم يعيشون في المكان، وقد لا يلتقون حتى في مسجدها الجديد، السيارة تعطيه خيارا أن يصلي في أي مسجد خارج القرية. هل هذا من مؤشرات طرق التباهي الجديدة؟! يمر على البعض أكثر من سنة دون مشاهدة، تجمعهم مناسبات العزاء والمصائب والكوارث، لم يعد هناك حاجة لبعضهم البعض، حتى القبر، وغسل الميت لها موظفون يقومون بواجب خدمتهم. كثرت المشاكل والدعاوى الكيدية، همّ بعضهم التنغيص، وتلك مهنتهم الجديدة. بالتأكيد، يبحثون عن شيء يشغل فراغهم، حتى لو كان ذلك الشيء الأذية. رجعت بعد عشرين سنة، فلم أجد أحدا في استقبالي، وكانت القرية تستقبل ابناءها بفرح شديد، دخلت كالغريب، فلم أجد القرية التي تركت، ما زلت أبحث عنها حتى اليوم، أصبحت أطلالا شاهدة على أن أجدادنا وآباءنا وجيلي مر من هنا. الكل هاجر من القرية، بقي بعض المنحوتات والهياكل والمعالم، التي أنهكها الزمن والتغيرات، تنتظر الزوال. الكثير من شيبانها غادروا القرية؛ بحثا عن العلاج، التحقوا بأبنائهم الذين سبقوهم إلى المدن الرئيسية، ثم ماتوا بعيدا عنها. قرية تاريخية تهاوت، لكنها حيّة في ذاكرتي، بيوت حجرية كانت عامرة تهدمت، أطلال تحكي واقعا كان، وتؤشر إلى واقع قائم. حالة مرضية أم أنها حالة حضارية؟! هل هي حالة ضياع لبقايا قرية؟! ماذا جرى خلال عقدين من غيابي؟! الوجوم يغطي القرية وملامح الوادي بكامله. حالة حزن تراها في كل مشهد، زالت بساتين العنب والرمان، والخوخ والمشمش، أصبحت تربة بلاد الحنطة غبارا يتطاير، سألت عمي فرحان: لماذا لا تنزل إلى الوادي؟! فقال: بأي وجه أقابله؟! بعد سقوط دمعته الأولى، قال: لم أتخيل في حياتي أن يكون هذا مصير بلاد الحنطة السمراء، ضاع تعبنا وتعب الآباء وتعب الأجداد. وجدت المقبرة المكان الوحيد الذي لم يتغير، لو قام الميتون من قبورهم في القرية، لماتوا مرة أخرى من هول نتائج التغيير، الأكثر إيلاما، ضياع واندثار حضارة المهارات التي كانت. مات أهل الحضارة المهارية، كل فرد كان مكتبة، بموته مات كل شيء يحمله، مخزون مهاري ضاع إلى الأبد. عشرون عاما كانت كافية للقضاء على كل موروث شكّل هياكل حضارة البقاء في أقسى الظروف. اليوم وبعد سنين تلك الزيارة، وفي ظل نشاط الهيئة العامة للسياحة والآثار، تحولت المشاهد إلى الأمل الذي يحمله العنوان.