مات الرجل البكّاء.. مات مانديلا
تسرب من أحد ثقوب الذاكرة الآخذة في التزايد عنوان تلك الرواية من جنوب افريقيا، وتسرب معه اسم مؤلفها الأسود. لكن، ورغم مرور قرابة عشرين سنة، ظل متشبثاً بعناد بالذاكرة المثل الهوساوي الذي صدّر به الروائي المنسي روايته: (الجبناء لا يبكون). الجبناء لا يبكون لأنهم يتجنبون الصراع بحسب المعنى غير الحرفي للمثل. الجبناء لا يبكون لانهم يتفادون مواجهة كل ما قد يمثل خطراً وتهديداً لذواتهم وحيواتهم ومصالحهم وأمنهم واستقرارهم، فيدفعهم الى البكاء. هنا وفي حضرة هذا المثل، لا بد أن تستحضرَ صورة نيلسون مانديلا نفسها من الذاكرة، تفرض نفسها، فينتصب طوداً سامقاً شامخاً.كانت تلك اللحظة البداية للحظات عظيمة عاشها العالم بفضل نضال مانديلا ورفاقه والشعب الجنوب افريقي: لحظة انهيار نظام الفصل العنصري، لحظة فوزه كأول رئيس أسود، لحظة انسحابه من الحياة السياسية، وما بين هذه اللحظات لحظات أخرى لا تقل عنها أهمية، كل منها في سياقها الخاصولكن بخلاف ما عرف عنه من تكتم على مشاعره وعواطفه، يظهر منخرطا في بكاء طويل، لتشكل صورته باكياً مع صورة الجبناء الذين لا تعرف الدموع طريقا إلى عيونه مجاورةً (justaposition)؛ عنصراها صورتان متجاورتان لحالتين مختلفتين متناقضتين، تضيء كل منهما الأخرى، ويساعد تجاورهما على كشف جوهر اختلافهما وتناقضهما، واستيعاب معانيهما ودلالتهما. فمانديلا هو المثال النقيض لأولئك الجبناء الذين يفرون من أمام الصراع كالحمر المستنفرة، وحياته التي قضاها مناضلا لا تلين له قناة ضد نظام التمييز والفصل العنصريين في جنوب افريقيا، نموذج ناصع وصاف وملهم لمواجهة الذات الشجاعة إلى حد الندرة ليس مع صراع واحد، إنما مع سلسلة من الصراعات المتتالية على مدى حياته الطويلة والعريضة معا. ومن هذه الصراعات الصراع المختلف، الصراع الداخلي في نفسه الذي أتخيل، أو لا أستبعد، أنه وجد نفسه في غمرته، تتنازعها رغبتان عارمتان محتدمتان: رغبة مانديلا الرئيس في البقاء في الرئاسة بالترشح لفترة رئاسية ثانية، ورغبة مانديلا المناضل الرمز والأيقونة في الانسحاب من عالم السياسة ليفسح المجال لجيل من السياسيين الشباب المؤهلين لإدارة الشئون الاقتصادية في البلاد، بعد أن تتوج نضال الشعب الجنوب افريقي بانهيار نظام العزل العنصري، وإرساء أسس المجتمع المساواتي الديمقراطي. وخرج مانديلا المناضل منتصرا على مانديلا الذي وسوست له نفسه التمسك بالكرسي، وإن لزم أن يعض عليه بنواجذه. وباعتزاله من السياسة، أحرج مانديلا الحكام الأفارقة وغيرهم المتأبدين في الحكم أو من يحلمون في ذلك. رحل رجل الصراعات، رحل البكّاء مانديلا عن العالم الى العالم الآخر بهدوء في منزله بجوهانسبيرغ كما قال الرئيس جاكوب زوما، مثلما انسحب بهدوء من قصر الرئاسة. لم يسع الى الاحتفاظ بكرسي الرئاسة إلى أن يغرز المرض أنيابه في جسمه المناضل الشائخ، أو ينتزعه منه الموت بالسكتة القلبية، أو أن تسحله الجماهيرالهادرة بعد أن تسحبه مرتعشا ذليلا من مجرى الصرف، أو يفر بليل من قصره المنيف الى احدى الدول المجاورة. بهدوء رحل البكّاء مانديلا كما يليق بالعظماء، وبالمناضلين الحقيقيين الشرفاء، ولهذا سيبكيه الملايين والملايين في كل أنحاء العالم، بل سيبكيه العالم كله، العالم الذي قدم له القدوة ومثال الصمود الأسطوري في مواجهة قوى الطغيان والظلم والتمييز والاستبداد والاستعباد. في 1990 خرج مانديلا من سجنه، يدا بيد مع زوجته ويني مانديلا، كان خروجا مهيباً لا مثيل له في الذاكرة التاريخية العالمية. وكان ذلك لحظة تحرر عاشها العالم كله كما يقول احد كتاب سيرته-مارتن ميريدث. كانت تلك اللحظة البداية للحظات عظيمة عاشها العالم بفضل نضال مانديلا ورفاقه والشعب الجنوب افريقي: لحظة انهيار نظام الفصل العنصري، لحظة فوزه كأول رئيس أسود، لحظة انسحابه من الحياة السياسية، وما بين هذه اللحظات لحظات أخرى لا تقل عنها أهمية، كل منها في سياقها الخاص. رحل مانديلا الذي منحه أبوه اسماّ يعني (مثير المتاعب)، وليته أضاف إليه (البكّاء)، فقد أثار المتاعب بالفعل لأعداء الحرية والعدل والمساواة لأنه لم يك ممن يتجنبون الصراع.