خليل الفزيع

الإعلام .. وموضوعية الطرح

ليس من جديد إذا قلنا: إن بعض وسائل الإعلام العربي يعيش على مآسي الأمة ومشاكلها الطاحنة، وله السبق في مضمار تصعيد الخلافات العربية، والوصول بها إلى طريق اللاعودة في معظم الأحيان، وهذه السياسة الإعلامية الرعناء يدفع ثمنها المواطن العربي، عندما يجد نفسه في موقف العداء لشقيقه العربي الآخر الذي يقطن في دولة أخرى، تمادى أعلامها في تجاوز ما تفرضه أخلاق المهنة من احترام للآخرين.قد تكون أسباب الخلاف بسيطة، ومن السهل معالجتها بالحكمة، وموضوعية الحوار، والانتصار للحق، لكن (الردح) الإعلامي البائس يقود إلى توسيع دائرة الخلاف، عندما تستخدم فيها كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وتستغل من أجلها الأسلحة المباحة وغير المباحة، من الكلام الذي قد يصل إلى القذف بحق أناس لهم مكانتهم المرموقةوبذلك يتحول الإعلام من أداة بناء إلى وعول هدم وتخريب، ومن أداة تهدئة إلى أداة تصعيد وتأزيم، فتختلط الأوراق، ويتشوه الواقع، فلا يعرف المواطن العربي في أي اتجاه هو، مادام التضليل والعبث بالحقائق هو أداة الإعلام الذي يفتقر للمصداقية في تعاطيه مع الأحداث، دون إدراك لما يعنيه ذلك من تضليل للمشاهد أو المستمع أو القارئ العربي، وهو تضليل يلجأ له في الغالب الإعلام التجاري الذي تحكمه مقاييس الربح والخسارة، وهو إعلام يرتهن في الغالب لأحزاب أو منظمات تابعة لدول دون غيرها، عرفت بعدائها السافر للدول العربية القريبة منها أو البعيدة.ثمة أجندة خفية بين الدول تحكمها المصالح المشتركة، لكن بعض العاملين في الإعلام ينقصهم بعد النظر، ولا يرون من الأمور إلا ما ظهر منها على السطح، فينجرفون وراء أي خلاف أو اختلاف في وجهات النظر، ويشحذ كل منهم سيفه، أقصد قلمه، ليسهم في معركة خاسرة، ربما وضعتهم في موقف لا يحسدون عليه، فيما بعد، فالخلافات بين الدول لا تدوم، إنما التي تدوم هي المصالح المشتركة، والعلاقات الدولية في معظمها إن لم نقل كلها، قائمة على المصالح، فكيف إذا أضيفت إلى هذه المصالح وشائج القربى، والعلاقات الأسرية، والتاريخ المشترك في القيم والعادات والتقاليد والمواقف والأحداث والطموحات والآمال والأحلام، وفجأة يأتي من الإعلاميين من يشوه ذلك كله بمواقف متشجنة، يتبناها من قصر بصرهم وبصيرتهم، لأنها لا تقيم وزنا لكل العوامل التي توحد ولا تفرق، والتي تلم ولا تشتت، وفي النهاية تتصالح الدول، ليجدوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه.قد تكون أسباب الخلاف بسيطة، ومن السهل معالجتها بالحكمة، وموضوعية الحوار، والانتصار للحق، لكن (الردح) الإعلامي البائس يقود إلى توسيع دائرة الخلاف، عندما تستخدم فيها كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وتستغل من أجلها الأسلحة المباحة وغير المباحة، من الكلام الذي قد يصل إلى القذف بحق أناس لهم مكانتهم المرموقة، ودورهم السياسي البارز، وهذه الأنماط الكسيحة من الحوارات لا تنبئ إلا عن إفلاس أصحابها، وافتقارهم إلى الحجة الواضحة، والمرجعية الصادقة، والفكر السليم، وفي هذا ما فيه من استخفاف بوعي المتلقي الذي يستطيع أن يفرق بين الغث والسمين، وبين والباطل والحق، وهو استخفاف يؤدي حتما إلى فقدان الثقة بكل من يركبون هذه الموجة الخطرة، دون إدراك لما تخلفه من آثار سلبية هم غير بعيدين عن طائلتها يوم تتكسف الأمور، ويعود الوفاق بين المتخاصمين.وهذا لا يعني مصادرة حق الإعلامي في طرح وجهة نظره، عما يجري حوله من أحداث، وما تتطلبه هذه الأحداث من وجهات نظر موضوعية، ولكنه يعني تحديدا النأي عن كل ما يسبب تصعيد المواقف، والنفخ في جمر الخلافات، ليتطاير شررها، وتغدو نارها ملتهبة لا تبقي ولا تذر، وحتى لا يصبح الإعلامي إمعة مسلوب الإرادة، يسير مع الرياح حيث تسير، بلا موقف ثابت، ولا هوية فكرية واضحة، ولا شخصية إعلامية مميزة، وكأنما تحكمه مصالحه الذاتية، وتقود سفينة تفكيره اتجاهات متناقضة، تحكم أولوياتها إملاءات لا تراعي المصلحة الوطنية، بقدر ما تراعي أهواء واتجاهات من يقف خلفها ويغذيها بالنوايا السيئة، والوسائل المشبوهة.لكىلا يتردى الإعلام، لا مفر من الالتزام برسالته التي لا تلغي كونه نشاطا استثماريا ناجحا، في إطار المثل والتقاليد الإعلامية التي تفرضها نزاهة الهدف، ويحكمها شرف المهنة، وتغذيها كرامة العاملين في هذا المجال الحيوي الهام.