حتى نظل في نطاق الوعي
| أتحدث عن الجودة. تستمر في دوران الليالي العربية. نبحث، نأمل، نتمنى العثور على منبعها. هل أصبح الفرد حلقة مُفرغة لمثل هذا المصطلح؟! متى يأتي معنى الجودة إلى الأذهان العربية؟! هل يأتي مع خطوة الفرد الأولى نحو شراء المنتجات والسلع؟!نردد القول دون تفعيل، حتى مع تعاملنا في حياتنا اليومية. كل شيء يصبح بحكم العادة. نتحدث بحكم العادة. نفهم بحكم العادة. نتصرف بحكمها أيضا. نحن بالعربي الفصيح مبرمجون مثل أي جهاز حاسب آلي. ثم نتصرف خارج حدود الوعي بالشيء. نعبر فوق الكلمات دون وعي بأهمية مدلول الكلمة. تلك قضيتنا ومشكلتنا الكبرى| من الخبرة يزداد الرصيد المعرفي. تتضخم أيضا حزم المعايير التي تُكتسب. ثم تتحقق مهارات المقدرة للحكم على الجودة. أهمها الماركة. هذا يكفي العرب للحكم على الجودة. | إذا كنّا نطالب بالجودة، فهل نحن جزء من هذه الجودة؟! أتحدث عن جودة الفرد، عن جودة الذات. كل ذات بمكونات تحملها. مكونات غير مرئية. تقول العرب: الفرد مَخْبَر وليس مظهرا. جودة هذا المخبر محل خلاف. لكنه يظل خاضعا لمعيار الجودة، ونقيضها في شوارع التخبط العربي. الأمر ليس خاصا بالسلع والمنتجات. يمتد حتى يطال الفرد في جميع مراحل حياته.| بداية، ما الجودة؟! سؤال مهم نحو تحديد مفهوم واضح متفق عليه. سعيا لتلافي زوابع الاختلاف والخلاف. الجودة تعني الإتقان، ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)). هذا تعريف الجودة. تعريف يؤكد أنها جزء من ثقافتنا العربية غير المُستغلة. | نردد القول دون تفعيل، حتى مع تعاملنا في حياتنا اليومية. كل شيء يصبح بحكم العادة. نتحدث بحكم العادة. نفهم بحكم العادة. نتصرف بحكمها أيضا. نحن بالعربي الفصيح مبرمجون مثل أي جهاز حاسب آلي. ثم نتصرف خارج حدود الوعي بالشيء. نعبر فوق الكلمات دون وعي بأهمية مدلول الكلمة. تلك قضيتنا ومشكلتنا الكبرى. | تبهرنا جودة الفرد الآخر في دول كثيرة. نتعجب، نندهش، هذا أقصى فهمنا. تبهرنا حياة الآخر الحضارية. كل شيء كما يبدو لنا يتم بحسبان دقيق. رُقي التعامل، جودة الحياة وسهولتها، العمل بنظام دقيق مثل الساعة العربية التي اخترعناها للعالم. نسينا أهميتها في حياتنا. مع ضياعها، هل ضاعت الجودة العربية؟! السر يكمن في تحديث برمجتهم لذاتهم. يُحدثون محتوى ذاتهم، مثل الأجهزة، لتظل فاعلة، قوية، متغيرة نحو الأفضل.| بناء الفرد كمشروع حضاري بحاجة إلى تطبيقات الجودة. بحاجة إلى اعتناقها عقيدة وفلسفة حياة. الجودة أساس نجاح التنمية البشرية ومحورها وساحاتها في جميع المراحل. التنمية البشرية بناء ذات وفق قواعد لها أهداف وتطلعات وآمال. لها استراتيجيات وخطط وبرامج. الأهم تحديثها لتظل معطاءة لتحقيق الإخلاص الذي نتحدث عنه ونسمع. يكفي أن نعرف أن الاخلاص ثمرة الإتقان.| ماذا عن تنمية جودة الفرد لذاته؟! حتى نقف على مشارف جودة ديار بني عبس العربية، يجب علينا فهم معنى الذات أولا. ما هي الذات؟! سؤال لا يحتاج إلى الدخول في سباق مزايين الإبل العربية. جعلوها خاضعة لمعيار الجودة. جعلوا أثمان بعضها يصل إلى عشرات الملايين. أثمان تفوق أسعار الطائرات والسيارات الفخمة. لا أود الدخول في مقارنة بين ناقة في صحراء العرب وجهاز جوال عادي في جيب فقير في أدغال أفريقيا. فتلكم متاهة قد تحملني إلى أخطار لا استطيع تفاديها.| دعونا نتراجع عن رحلة عناء المقارنات بين الجوال والناقة. دعونا نبحث عن مقارنة أخرى أقل خطورة. إناء عقلي يغلي من جور أثمان النياق العربية. حتى تكاليف تعليمي عبر تاريخي الدراسي لم تصل إلى سعر ناقة. هل خضعت لمعايير الجودة؟! لابد أنها فاقت معايير جودتي كعالم. | كيف أجد الذات التي أبحث عن تعريف لها؟! هل هي التي جعلت الناقة بهذه الأهمية وهذه الأسعار الفلكية؟! في عالم البحث عن جودة المنطق والذات، نحتاج قرون استشعار حساسة لتلافي المخاطر. أجسادنا عبارة عن بيوت من لحم ودم. بيوت بداخلها الذات التي لا نرى. كل جسد يعرف ذاته. يقف على معالمها وحده. ذلك إعجاز رباني. | تخيلوا مسارات الذات ومكوناتها وأبعادها. لا نرى مكونات الذات عند الآخرين. هذا فرق يحسب لصالح الناقة العربية. لا نشاهد تفاعل الذات. لكن ندرك النتائج. لا نشم عبق الذات وبنّتها، لكن نتأثر سلبا أو إيجابا بتفاعلها. | الذات مكونات من الاحاسيس لا يشعر بأهميتها إلا أحاسيس مشابهة عند الجانب الآخر. من أجل هذا قالت العرب: الطيور على أشكالها تقع.. وقالوا أيضا: لكل ساقطة لاقطة. عرب يتصفون بالعبقرية. ضاع هذا العقل في متاهات اللاوعي بين براثن متاهات العادات والتقاليد. نتصرف ونعيش بحكم العادة. حان الوقت لتحديث خصائصنا الشخصية، وعلاقاتنا الإنسانية، وأدائنا لمهامنا وأعمالنا. لنجدد ذاتنا، لنستعيد كامل الوعي بما نقول ونفعل.