شاهدت «وجدة»
لم يخطر لي أن أكتب لكم مجدداً عن وجدة، لكني كنت بالأمس أتسوق في إحدى البقالات لأجد فتاة صغيرة ذكرتني بـ«وجدة» نفس السمرة وعمق النظرات. ووجدة، لمن لم يتابع منكم، اسم فيلم المخرجة المواطنة هيفاء المنصور، يحكي عن قصة طفلة تريد أن تشتري دراجة هوائية مع أحداث مصاحبة لأسرتها ومدرستها. شاهدت الفيلم في البحرين، حيث يعرض الفيلم في أكثر من دار عرض، للحظة انتابني شعور متناقض بين الفرح بأني وللمرة الأولى لم أذهب لأشاهد فيلماً أمريكياً يحكي قصصاً لا علاقة لنا بها ولا بمجتمعنا، ولا لأشاهد فيلماً مصرياً يتكلم في اجتماعيات أو سياسيات لا تتطابق مع واقعنا، بل أحضر لأشاهد فيلماً سعودياً اخراجاً وتمثيلاً وقصة، وبين استغراب مصدره أن كان علي –وكثيرين أمثالي- أن يرتحلوا لمشاهدة فيلم «وجدة»! قد تتفق مع الفيلم أو لا، لكنه يبقى جهداً إبداعياً سعودياً، تناول قصصاً حياتية صغيرة لكنها في النهاية تتحد لتصبح قصصاً كبيرة مؤثرة على المرأة ومجتمعها. وقد يقول قائل إننا لا نحفل كثيراً بصناعة السينما، وهذا قول غير صحيح، فالكثير من استديوهات الاخراج متواجدة عندنا لتصنع أفلاماً من نوع أو آخر، كما أننا ننفق عشرات الملايين لشراء حقوق بث مسلسلات الدراما العربية وسواها. وكما ذكرت قد تتفق أو لا مع أهمية السينما أو حتى مع صناعة الدراما ككل، لكن تبقى الحقيقة أننا كمجتمع نُقبل على هذه الصناعة بوسائل شتى، وفوق كل ذلك فللسينما تأثير على الشريحة الأكبر والأكثر تأثيراً في المجتمع، الشباب، كما أن لهذه الصناعة علاقة بالتخيل والابداع والابتكار، وأخيراً فلهذه الصناعة تأثير السحر في عرض وجهات النظر والأفكار والتعريف بالمجتمعات؛ وفي هذا السياق النظر في تجربة السينما الهندية (بوليوود) التي عرفت الدنيا بالأزياء الهندية والمجتمع الهندي وتراتبيته وعاداته وتقاليده، ولم نذهب بعيداً فإن الدراما العربية جعلتنا نعرف عن أشقائنا الكثير؛ بدءا من اللهجة والعادات والهموم الاجتماعية إلى الأحداث التاريخية بل وحتى الشخصيات الكريكتيرية كإسماعيل ياسين أو عبدالمنعم إبراهيم او فريد شوقي أو غوار وحسني البورظان. ولن أستطرد كثيراً قبل أن أقول ان تأثير مسلسل مثل «درب الزلق» لا يبارى في تناول حقبة التحول الاجتماعي والاقتصادي في الخليج العربي وتحديداً الكويت، ولذا تجدنا نستشهد في كثير من المواقف بأحداث ذلك المسلسل رغم مضي عقود على بثه. وهكذا، فإن تسفيه السينما أو الدراما إجمالاً ليس بالضرورة مجدياً وذلك بأننا كمجتمع لا نستطيع الاستغناء عما تنقله وترصده وتحكيه الكاميرا، ولا نستغني عن الدراما لنقل حكايانا الصغيرة والكبيرة، بل لعل السينما هي من أكثر الوسائل تأثيراً في التعرف على المجتمعات وترك أثر، كلنا نذكر كيف أن فيلماً هندياً عرف بحياة الفقراء والطبقية في الهند، وكيف حصد جوائز بالجملة وأصبح نجومه الأطفال الصغار عالميين.فيلم «وجدة»، قصته سعودية أبدعتها مخرجة سعودية بممثلين سعوديين.. قد نتفق أو لا مع الطرح لكن حكايانا ملك لكل سعودي ليحكيها.