طرفة عبدالرحمن

المعلم والطفل الباكي

استنكر الناس حادثة الطفل الذي صوره المعلم وهو يبكي، معتبرين هذا التصرف نوعا من العنف؛ سواء فيما يتعلق بالطريقة التي تعامل بها المعلم مع الطالب أو جرأته في تصوير الموقف، ومع اني أرى خطأ هذا الفعل من المعلم؛ إلا أني تفاجأت من ردة فعل الكثير من المتابعين لهذا الموضوع لحظة تداول الخبر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فتعليقاتهم تظهر دهشتهم وتعجبهم وسخطهم من طريقة المعلم في التعامل مع الطالب، والذي فاجأني في ردود الفعل تلك، أنها كانت تعطي إيحاء بأن هذه الحادثة غريبة ومتفردة، وكأنها لا تحدث بشكل أقسى مما شاهدناه في ذلك المقطع. ومع أن وزارة التربية والتعليم وضعت حدوداإذا كان مسار التعجب والاستنكار في واقع مشكلاتنا الاجتماعية والمؤسساتية لا يتجاوز ثرثرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وخبرا يورد في الصحف وبعض القنوات فلا حاجة لنا به، إلا إذا رافقه تشهير بالفاعل بطريقة ما إذا استدعى الأمرلممارسات عنف المعلم ضد الطالب، وقيدته بمجموعة من الضوابط إلا أننا نجد أن هناك حالات مشابهة تمارس ضد الطلبة، ليس هذا فحسب بل إن كثيرا من المعلمين مستاؤون من تلك الضوابط، ويطالبون بصلاحيات تأديبية أوسع لاستخدامها مع الطلبة!!، الجميع يعرف بأن أبناءنا يكرهون المدرسة وبدرجة كبيرة أيضا، وما فرحتهم بإجازات المطر إلا تعبيرا يسيرا عن هذه الكراهية. إشكالية التعليم عندنا ما زالت متفاقمة على ذات الصعد، المعلم الساخط  والطالب الكاره، والمنهج الضعيف. ولست بحاجة للحديث عن قضية المناهج وتطويرها الذي زادها سوءا؛ وفاقم المسألة التعليمية؛ فأبسط مثال مباشر يوضح هذا الخلل أن هناك آباء متعلمين يستعصي عليهم، فهم بعض المواد التعليمية في مراحل الصفوف الأولية عند تدريسهم لأبنائهم، ويجدون مشقة في إفهام الابن ما استطاعوا فك مغزاه من الدرس. ما أريد ذكره هنا أيضا في قضية تعجب الناس من سلوك المعلم السابق، إن كثيرين منا يتعجبون من أفعال الآخرين بينما لا يفعلون ذات الأمر تجاه تصرفاتهم؛ فأنا أعرف معلمات تأثرن عاطفيا من المشهد الذي ورد في فيديو المعلم السابق، لكني ألاحظ عليهن تعنيفا أشد في سلوكهم التعليمي مع طالباتهن، ولكن طبعا بدون توثيق هذا الأمر والمجاهرة به!! لقد طغت عملية الانتقاد والتنظير على تصرفاتنا بلا جدوى، فسياسة التفكير بشكل عام سواء المتعلقة بالأفراد أو المنظمات عندنا أنها في البداية تتعجب ثم تستنكر ثم تنتقد، ثم تقف عند هذا الحد، أما خطوة الحلول فلا تزال بعيدة.. وإذا كان مسار التعجب والاستنكار في واقع مشكلاتنا الاجتماعية والمؤسساتية لا يتجاوز ثرثرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وخبرا يورد في الصحف وبعض القنوات فلا حاجة لنا به إلا إذا رافقه تشهير بالفاعل بطريقة ما إذا استدعى الأمر، لأن السير على هذا النهج في التعامل مع التجاوزات القانونية والنظامية المتكررة سيولد البلادة واستمراء الخلل، وسننظر له بمرور الوقت على أنه جزء طبيعي جدا من التنظيم الاجتماعي مهما تضخم حجمه. فيكفينا خللا أننا ننظر إلى تجاوزات بعض الموظفين أو محاولة الإبلاغ عنها لا تجدي نفعا، فضلا عن كونها تعود علينا بالضرر، ولم تفلح في إخماد هذه الفكرة والمخاوف كل تطمينات الجهات ذات العلاقة بالفساد بأن الأشخاص الداعمين لمكافحته سيكونون في دائرة الأمان، واسماؤهم محل الكتمان، بل وشجعت هذا السلوك بعرض المكافآت، لكن يظل حب النقد والثرثرة في شؤون المخالفات والاختلالات بحق، وغير حق لا يتجاوز الحناجر وحيطان المجالس.