د. مبارك الخالدي

أناقة ومليحات وتضليل

الغلاف الأنيق الذي يتوزع لوناه الأسود (الظل) والأزرق (إضاءة فلمية ليلية) بقعاً تخفي وتظهر أجزاءً من وجه فتاة الغلاف المليحة، يشدّ انتباهك، تمد يدك إليه، ترفعه عن الرف من بين الأغلفة التي تتزاحم عليه وتتنافس بصور الفاتنات عليها،عشرة رجال يمثلون كل الأزواج العرب. هذان هما الخداع والتضليل الصحفي الاعلامي بعينهما، اللذان تمارسهما بعض المطبوعات الاعلامية العربية على القراء.  وعندما تقرأ التقرير المصاحب لتحليل  البيانات تكتشف أن العشرة تقلصوا الى خمسة، هم كل من اتسعت المجلة لآرائهموالعناوين المثيرة، والطباعة الفاخرة والورق الصقيل، على جذب انتباه المتصفحين والمتسوقين العابرين. وتروح عيناك تمسحانه من فوق الى تحت؛ تتبعان عناوين المواضيع في الداخل. فلا يستوقفك سوى عنوانين: أحدهما عن تسوق المرأة، والآخر يضعك مرة أخرى في مواجهة العربي ، الذي تسميه «العربي الخرافي الأسطوري»، الذي يضم في داخله كل الذكور العرب من مدينتك الدمام إلى أي مدينة عربية على المحيط الاطلسي. هو العربي الخرافة، الأسطورة، من جديد، الذي كثيراً ما تستحضره  وتستخدمه وسائل الإعلام وبعض الباحثين المهتمين بدراسة «الشخصية العربية»- الخرافية الأسطورية هي الأخرى- والكُتّاب ليمثل الذكور العرب جميعاً، أو يتكلم بألسنتهم، أو لذمهم عبر ذمه، أو لتشويه صورهم بتشويه صورته.  هذه المجلة تستحضر العربي لتستطلع رأيه، بحسب العنوان، في إنفاق زوجته على الماركات. وبما أنه ينغلق على كل الذكور العرب، فزوجته بدورها مثله خرافية أسطورية تحوي في داخلها كل الزوجات وتمثلهن. ولأن قلبك ينبض بشغف خفيف شفيف بهذا النوع من المواضيع وبالاستهلاك والأزياء والموضة، بأبعادها وتعالقاتها السيميولوجية والاجتماعية الثقافية، تقرر أن تشتري المجلة، وهذا هو العدد الأول الذي تشتريه من أعدادها، كي تكتشف ما يقوله العربي الممتد من الماء الى الماء. وتدلف مباشرة الى الاستبيان، وتكتشف أن العربي هذه المرة لا يحتوي في  بطنه غير عشرة ذكور من العرب، هم كل العينة التي شملها الاستبيان؛ فتشخص أمامك حقيقة أن العنوان نجح في إغرائك بشراء المجلة بما أثاره فيك من فضول وتوقعات ارتفعت أكثر مما ينبغي.         عشرة رجال يمثلون كل الأزواج العرب. هذان هما الخداع والتضليل الصحفي الاعلامي بعينهما، اللذان تمارسهما بعض المطبوعات الاعلامية العربية على القراء.  وعندما تقرأ التقرير المصاحب لتحليل  البيانات تكتشف أن العشرة تقلصوا الى خمسة، هم كل من اتسعت المجلة لآرائهم، وكان بالإمكان أن يكونوا ستة، لولا قرار الصحفية الغريب إدخال النشاز في التقرير باشراك امرأة للتحدث عن إنفاق زوجة العربي على الماركات.كنت تتوقع أن العربي يتشكل من عدد أكبر من الذكور العرب؛ عدد يجعل الأستبيان أقرب  الى الحقيقة، وعاكساً على نحو مقبول من الدقة طبيعة وحجم إنفاق الزوجة العربية الخرافية على الماركات، بما يحمله ويكتنفه من معان ودلالات اقتصادية وثقافية واجتماعية. لقد أُفْرِغَ العربي هذه المرة من جميع  الذكور العرب إلا العشرة، ليكون إعداد وإجراء الاستبيان سهلاً وغير مكلف مالياً، وبمستوى القراء على ضوء صورتهم القارة في اذهان العاملين على المجلة، الذين لا يبدو أنهم يكنون لقراء مجلتهم الاحترام، وإلا  ما احتوت هذه المادة الهزيلة، التي يعد عنوانها بما لا تفي بتقديمه. ليست هي المجلة الوحيدة التي تستهين بالقراء، ولن يكون استبيانها الأخير.استبيان هذه المجلة مجرد تنويعة على ما تمارسه بعض الصحف، إن لم يكن كلها، عندما تقدم تقارير وتحقيقات عن مواضيع وقضايا هامة وحساسة، مُدَّعِيّة أنّ المعطيات فيها نتائج ابحاث ودراسات اجتماعية ونفسية وعلمية، دون أن تذكر عناوين الأبحاث والدراسات، وفي أي المجلات والدوريات نشرت ومتى، ولا تخجل حتى من عدم ذكرها لأسماء الباحثين والدارسين. القراء لا يستحقون كل ما من شأنه تدعيم صدقية المعلومات الواردة فيها. عليهم أن يصدقوا كل ما تظن أنها تتكرم عليهم به من معلومات ومعرفة.        واللافت أن بعض الصحف والمجلات لم تعِ أنها  لم تعد المصدر الوحيد للخبر والمعلومة، وأنها في حاجة أشد لكسب احترام وثقة المتبقين من قرائها!mukaldi5@hotmail.com