سالم اليامي

شيء من حزن مدينة

عندما تحاصرنا حالة من الغضب أشد من قدرتنا على مواجهتها، أو القيام بأبسط التصرفات المنطقية على درء تداعياتها، تصدر منا عادة الاعلانات الصاخبة العالية النبرة، التي تعبر بألم وعجز ربما عن أمرين، شدة غضبنا ورفضنا لما حدث ويحدث، وعجزنا عن مواجهة الأطراف التي تتسبب لنا بموجات الغضب تلك، وتزيد من حنقنا واحتقاننا. هكذا فسر غير مراقب الاعلانات التي اتخذتها الحكومة المؤقتة في ليبيا، ورئاسة المجلس المحلي بطرابلس وقوى أخرى قيل إنها تمثل المجتمع المدني الطرابلسي، عندما أعلن الجميع الأيام التي تلت أحداث ضاحية «غرغور» الدامية يومي الجمعة والسبت، 15و16نوفمبر، والتي راح ضحيتها أكثر من 40 ضحية، علاوة على أكثر من 450 جريحا -جروح بعضهم مميتة- أيام الأحد والاثنين والثلاثاء أيام «عصيان مدني عام» و«حداد على أرواح الشهداء» و«أيام اعتصام وإضراب عن العمل» كانت أيام حزن طرابلسي بامتياز.. يتلمس فيها المرء بسهولة حب أهل طرابلس لمدينتهم وبحرها وأزقتها، ومن جانب آخر، تعكس تغول وسيطرة قوات المدن المجاورة التي جاءت في مطلع الثورة؛ للمساهمة في القضاء على نفوذ النظام السابق في طرابلس، ومن ثم استوطنت المدينة التي يعشق أهلها السلام والهدوء، وأصبح خروج هذه التشكيلات العسكرية مسألة مساومة من أجل المساهمة في إدارة القرار الليبي، والتأثير في قرارات الحكومة والمؤتمر الوطني الليبي العام.تابع حديثه في غضب، لم يعد لدي بعد أن سالت الدماء في جنوب مدينتي طرابلس أي أمل في الحكومة المؤقتة، فهي كانت ضعيفة ولكنها اليوم غير موجودة، هي عديمة السيطرة تماماً على هذه المجاميع المسلحةمن بعد صلاة يوم الجمعة، 15 نوفمبر، وإلى وقت لا يعلمه إلا الله، وطرابلس تعيش حالة من الترقب الحذر، والكل يتوقع الأسوأ -لا سمح الله- والحزن يخيم على المدينة. أحد الأصدقاء الطرابلسيين ممن قضوا سنوات اقتربت من العقدين في العاصمة السويسرية بيرن؛ هرباً من النظام السابق وطريقة إدارته للبلاد الليبية، هاتفته للسؤال عما يحدث، وما يتوقع أن يحدث، وإلى أين تسير الأمور؟. كان في المرات السابقة عندما تحدث اشكالات، أو تعقيدات أمنية وبعض مظاهر الاشتباكات يقول -بتفاؤل أحسده عليه-: لا بأس شدة وتزول وأحداث معزولة لن تؤثر على المسيرة التي ترعاها قلوب الليبيين.. هذه المرة قال لي بصوت محبط: الدم يملأ مدينتي، ولا أفهم يا صديقي أن يخرج أناس مدنيون للتظاهر الحر البرئ المرخص من قبل الحكومة، ويجابهون بالرصاص المناطقي. وتابع حديثه في غضب: لم يعد لدي بعد أن سالت الدماء في جنوب مدينتي طرابلس أي أمل في الحكومة المؤقتة، فهي كانت ضعيفة ولكنها اليوم غير موجودة، هي عديمة السيطرة تماماً على هذه المجاميع المسلحة، ووقف عن الحديث ثم تابع: تعرف يا صديقي، هذه المجموعات المدججة بالسلاح هي التي تسن القانون في طرابلس، وفي عموم ليبيا اليوم، وهي الجهة الوحيدة المحتكرة لقوة وسطوة تنفيذ وتطبيق القانون الخاص بها في عموم البلاد الليبية، أصدقك القول يا صديقي، إنه بعد عودتي من برد بيرن السويسرية، وغربة ما يقرب من عقدين، في أعقاب الاطاحة بالنظام السابق، لم أكن أتوقع أن تشهد طرابلس عنفا وشراسة ودماء وقتلا مجانيا كما شهدته اليوم، موت تلك الأيام كان للتحرير، ودماء 15نوفمبر التي سالت في غرغور يجب أن تقدم جهة ما التفسير والمسوغ ليس للطرابلسيين فحسب، بل لكل الليبيين. لم أجد ما اختم به اتصالي مع ذلك الرجل المجروح، وتركت له حرية الحديث حيث واصل في غضب ظاهر، يقول: تأكد يا صديقي المجموعات المسلحة تسيطر على كل شيء في حياة الليبيين، وهل تريد دليلا أكبر من سيطرتها غير المفهومة على مصادر ثروة هذا الشعب! وحرمانه من خيرات بلاده الطبيعية، هذه الجماعات المسلحة جداً سواء كانت قادمة من مصراتة، أو من أي بقعة أخرى في ليبيا تعمل بآلية الولاء القبلي والعشائري والمناطقي، وهذا يعني انها تنافس الدولة، وتأخذ دورها لان الدولة والمؤسسات المنبثقة عنها تعمل بلغة لم يألفها الشعب، ولم يتعود لغتها حتى الآن. شعرت بأني ارهقت الرجل، وحاولت تلطيف الحديث بأن الله قبل الجميع لن يترك هذا الشعب، وأن دول الجوار ودول العالم مستعدة للمساعدة كما سمعت من بعض التصريحات، هنا شعرت بأني فتحت شهية صديقي للكلام من جديد، حيث قال -باستطراد-: اسمع يا عزيزي دول الجوار ليس في مقدورها أن تقدم شيئا حقيقيا لوقف التداعيات المحتملة لتجدد العنف، وتصعيد وتيرته في ليبيا، وهذه حقيقة نعرفها عن أنفسنا وعن جيراننا رغم صفاء سريرة البعض منهم، بالنسبة للمجتمع الدولي فكثير من الاحداث التي شهدتها أرضنا خلال العام 2013م، أعطت مؤشرات توحي بأن المجتمع الدولي عازف، أو غير راغب في تقديم عون حقيقي لليبيا.. أما تصريحات بعض المسئولين الغربيين حول وحدة الصف، ودعوة الليبيين للحذر وضبط النفس وتأكيدهم على دعم تقدمنا الديمقراطي، فهي محمودة على العموم، ولكنها لن تحدث أثراً على أرض الواقع، نحن في محنة حقيقية يا صديقي. جاءت عبارته الأخيرة بزفرة تصف حالة الغضب والألم الذي يعيشها، فقلت له: الله غالب على أمره، ودعوته للقاء قريبا، ومتى ما استقرت أحوال المدينة، وانقشع عنها حزنها وحدادها وعصيانها المدني وإضرابها العام الغاضب، وحددت له نفس المكان الذي نلتقي فيه أسبوعيا تقريبا مقهى الشط القريب من سكنه، ومن مقر اقامتي، ففاجأني بان ذلك غير ممكن مؤقتا، وذلك لان صاحب المقهى ومديره، فقد ابن أخيه في أحداث غرغور، وهو شاب في الخامسة والعشرين، يدرس القانون في الجامعة، وعائلة الرجل في حداد تام في قريتهم خارج طرابلس، وقد يطول الحداد حتى يقضي الرحمن أمراً كان مفعولاً. قلت في نفسي يا سبحان الله، الأزمات لا تأتي فرادى. انتهت المكالمة ولم تنته أحزان مدينة طرابلس ولا أهلها.