سالم اليامي

الاتحاد والتحديات في منطقة الخليج

كثير من العبارات مثل «اللحظة التاريخية الحرجة» و «المنعطف الدقيق للغاية» و»المأزق التاريخي» وغيرها مما في هذا الوزن عبارات ألفتها، بل ملتها الأذن العربية، ويمكني المراهنة بثقة عالية أن معظم المواطنين العرب ذكورا وإناثا ممن أتموا العقد الربع من أعمارهم المديدة بإذن الله قد سمعوا بهذه العبارات على ألسنة أهل السياسية في عالمنا العربي، وفي المقابل قل أن يرى أحد تحركا أو فعلا يبعد عن البلدان العربية وانسانها خطر هذه اللحظات الحرجة، ليس مطلوبا من أهل الخليج اختراع العجلة من جديد، فتجارب الوحدة بين الوحدات السياسية في المجتمع الدولي معروفة وميسرة وحري بدول المجلس ان تأخذ من تلك التجارب المفيد، وتكيف عملية تطوير الاتحاد حسب ظروفها وإمكاناتها، الامر الذي سيكون بوابة صد أولية ضد أطماع لم تعد تخفى على أحد.أو مرارة  تلك المنعطفات الفائقة الدقة والتعقيد. لا أريد إحباط أحد ولكني بدأت أقتنع أنها معضلة من معظلات العقل العربي المعاصر القادر على التشخيص والعاجز في نفس الوقت عن ايجاد العلاج. وليسمح لي السادة القراء بأن أحاول تصغير دائرة الحديث من الشأن العام العربي إلى الواقع الخاص الخليجي وهو بالمناسبة يعيش ذات الحالة مع بعض الاستثناءات، الواقع الجيو سياسي والأمني لدول مجلس التعاون الخليجي تهدده خلال العقد الأخير أخطار حالَّة، ومعنى حالة في  اللغة السياسية أي متوقعة الحدوث ما لم يقابلها تحرك مضاد، مما يدهش المراقب أن حجم الاخطار التي تهدد بصورة جدية هذه الكيانات السياسية وتجمعاتها البشرية  تتزايد بشكل متصاعد، وما كان تخمينا وتحذيرا وتوقعا بالأمس أصبح اليوم واقعا معاشا. من المظاهر الغريبة في البيئة السياسية في منطقة الخليج العربي القناعة الطاغية بمفهوم «طالما أن النار لم تشتعل في باب داري فأنا في مأمن من الحريق» رغم أن الايام تقول للجميع للسياسي وغير السياسي أن الاعداء كُثر، وأن الاصدقاء يتلونون، وأن الحلفاء قد يتبدلون، وأن القوى الطامعة لها شهية مدفوعة بغرائز التاريخ والمذهبية والعرقية، وما لم يكن أهل الخليج أقوياء بقدر ما يستطيعون ومتضامنين بقدر ما يدفع عنهم تغول الطامعين. ومتحدين بالمفهوم الذي يجعلهم في اسوأ الاحول لقمة عصية على الابتلاع. فإنهم في خطر حقيقي. وجدير بهم عمل شيء إن لم يكن لأنفسهم فللأجيال التي لن تستسيغ تفريطهم في هذا النعيم المقيم. منذ حرب تحرير الكويت، وتفسخ النظام السياسي في العراق، وسيطرة نظام المرشد المتشدد في ايران والمدعوم بالحرس الثوري على كثير من مفاصل الحراك السياسي في العراق، وتعزيز نفوذه  في سوريا عبر تحالف مشبوه مع النظام هناك، إضافة إلى زرع جسم سياسي وعسكري يحاول حرف مسار الدولة في لبنان «حزب الله» انتقلت آثار التخريب مع بداية بواكير ما يسمى بالربيع العربي إلى اشعال نيران متعمدة  ولزعزعة الأمن في منطقة الخليج العربي، وكانت البداية من مملكة البحرين التي تتضح فيها الأيدي الخارجية المؤلم أن حليفا استراتجيا للمنطقة «الولايات المتحدة» وبعد كل المجهودات التي بذلتها القيادة في البحرين والمنطقة يصف أحداث التدخل والتحريض الخارجية في مملكة البحرين على أنها اضطرابات طائفية ويساوي ما يحدث فيها بما يحدث في سوريا واليمن؟ الشيء الاكثر خطورة نجاح الجهات التي تخطط لتدير المنطقة عبر ثلاثين عاما من خلق واقع حركي طائفي مقيت يتحدث عن نفسه بصراحة ووضوح في حرب تدمر بلدا اسمه سوريا وتذبح الشعب السوري يتمثل ذلك في ما يسمى بفيلق العباس العراقي ذي الصبغة المذهبية، وجنود حزب الله اللبناني وكلا الفريقين على استعداد لإشعال المزيد من النيران في دول الخليج واليمن والمنطقة بأسرها امتثالاً لجعل كل هذه البقاع مشمولة برعاية ووصاية فكر معين. نحن في منطقة الخليج وفي مجلس التعاون لدول الخليج العربية قل أن نتحرك، وإن تحركنا فحركاتنا بطيئة. وكم أتمنى أن نشفى من هذه الآفة السياسية، وليت ان كل أهل الخليج يتذكرون كم من السنوات أضاعوا في مسألة دراسة ومراجعة بعض الانظمة المتعلقة بالشأن الأمني والجريمة بين دول المنطقة، واليوم وفي ظل هذه التحديات لا نسمع شيئا عن موضوع الاتحاد بين دول المجلس، وكان قيل إنه موضوع ذو أولوية ويخضع للدراسة وعناية القادة، وهذا كله محل تقدير الانسان في المنطقة ولكن الظروف والتطورات تسير بوتيرة تتطلب منا في هذه الرقعة الحساسة لنا ولاجيالنا وللعالم التحرك بذات الوتيرة. مما يثير الاستغراب أن كثيرا من المسارات الادارية والتنظيمية تمت مواءمتها بين دول المجلس خلال العقود الثلاثة الماضية مما يعني أن عملية الاتحاد وإعلانها ستجد الكثير من الارضيات الممهدة، ولا ضير في اكمال ما يتطلب، قد لا يجد المراقب سببا جوهريا لتأخير إعلان الاتحاد والتدرج فيه بين الدول المستعدة أو التي لا تجد تحفظا معينا، ومع الايام ستكتمل مسيرة البناء الخليجي . ليس مطلوبا من أهل الخليج اختراع العجلة من جديد، فتجارب الوحدة بين الوحدات السياسية في المجتمع الدولي معروفة وميسرة وحري بدول المجلس ان تأخذ من تلك التجارب المفيد، وتكيف عملية تطوير الاتحاد حسب ظروفها وإمكاناتها، الامر الذي سيكون بوابة صد أولية ضد أطماع لم تعد تخفى على أحد.