أزمة النخب
لا يختلف اثنان على أن الإعلام الجديد ووسائل اتصاله المختلفة، فتحت منابر جديدة لأصوات وأفكار لم تكن موجودة من قبل في الساحة الإعلامية القديمة، ذلك أن الصحف ووسائل الإعلام التقليدية كانت متاحة لأشخاص معينين، يراهم البعض مفروضين على الجمهور والأخير مضطر لتقبل هذا النوع من النخب الفكرية والثقافية والإعلامية بحكم اقترابهم نوعا ما من الهموم العامة للناس، من مبدأ (العوض ولا القطيعة)، وبسبب انتفاء البديل.المأزق الأخير الذي نمر به الآن ويكبر معنا في ثقافتنا بدون أن نشعر بتضخمه بيننا، أن لغة الحوار وتبادل الأفكار ووجهات النظر أصبحت متدنية في كثير من الأحيان، ولم يسلم من هذا المستوى لا متعلم ولا جاهل إلا فيما ندر. الآن اختلف المشهد كثيرا، وبدأنا نشهد عهدا جديدا لإنتاج النخب الفكرية يرافقه ثورة في التعبير عن الرأي، سواء من قبل النخبة الثقافية التي كانت تعاني من خنقة في التعبير - بسبب كثرة الخطوط الحمراء التي تضعها سياسة الإعلام القديم- أو من قبل العامة. يجمع الكثيرون على أن الحديث والتعبير عن الرأي بطريقة مباشرة وصريحة وناقدة إلى أقصى مدى؛ يمثل نوعا من ديموقراطية التعبير عن الرأي. وفي مقابل الرأي السابق تبزغ وجهة نظر أخرى ترى أن هذه الحرية والانفتاح الفكري والنقد المباشر وضعت عند جماعة لم تحسن استخدامها. كثر الحديث عن حسنات وسيئات الإعلام الجديد، وتناولت بعض البحوث هذا الموضوع بكثرة لكن لا فائدة مرجوة على أرض الواقع خرجت من أبحاثهم وأحاديثهم. نحن نعيش عدة مآزق في هذا الجانب وإذا لم تعالج بطريقة تنظيمية ستزداد حدة في المدى القريب. أولا أزمة النخب في المجتمع، فنخبنا الفكرية لم يعد يلائم مقاسها الاعتدال في طرح قضاياها في وسائل الإعلام التقليدي، وتنشد المزيد أسوة بالمنابر خالية الخطوط وهي بذلك تريد أن توقعنا في أزمة أخرى من المناطحة العقيمة. المأزق الآخر أن المنابر الجديدة أصبح يتصدرها نخبة مختلفة من نوع جديد قد تكون هشة فكريا وغير محترفة في مجالها الذي تفتي فيه، لكنها أصبحت نخبوية بسبب مواقف معينة، كتصويرها لنفسها في مقطع فيديو تتحدث فيه عن قضية ما، ثم يتم تداوله بين فئة كبيرة من الأفراد، فتتصدر بعده كرسيا نخبويا في (ثقافة القطيع)، ولا يجب الاستخفاف بهذا النوع من النخب العقيمة المؤقتة، فهي تمثل شأنا عند جيل معين وتحرك له قيمه وأفكاره وهو يراها قدوة شئنا أم أبينا. المأزق الآخر والأشد خطرا، أن هناك نخبة فكرية معينة من العهد التقليدي للإعلام لم تفقد بريقها في أضواء الإعلام الجديد، لكنها أصبحت تتحدث عن قضايا الشأن العام والسياسة وغيرها، بلغة حادة غير موضوعية أحيانا، لكن المنقادين لها لا يرون ذلك بل على العكس، فكثيرون هم من أناب هذه النخبة للتفكير والتقرير نيابة عنه خاصة عندما تصنف هذه النخبة نفسها في دائرة ولباس معين قد يكون دينيا أو حتى ليبراليا، فلكل تيار أتباع. المأزق الأخير الذي نمر به الآن ويكبر معنا في ثقافتنا بدون أن نشعر بتضخمه بيننا، أن لغة الحوار وتبادل الأفكار ووجهات النظر أصبحت متدنية في كثير من الأحيان، ولم يسلم من هذا المستوى لا متعلم ولا جاهل إلا فيما ندر. واقع مؤسف لأي مجتمع أن تكون صفوته على هذه الحال، وأن تناشد الإصلاح وتدعي أنها تجرد الفساد وهي أحد فروعه. وجود النخب في أي مجتمع أمر أزلي ومهم لتحريك القيم وقيادة الإصلاح، كما ان المجتمعات تنهار بدون صفوة فكرية ترشدها لأن الفكر الجماعي لا يحكم بعضه البعض ويحتاج لمن يتصدره وينعشه في أزماته الأخلاقية والنظامية.