الحاجة إلى محمية لحصد وخزن ماء المطر
من رحم المعاناة.. تأتي الحلول.. بعض المشاكل.. تأتي بحلولها.. لكن تشخيص المشاكل.. يظل شأنا علميا.. كذلك تحديد الاحتياجات.. توظيف نتائج البحوث العلمية.. يُحقق الحل المثالي للمشاكل.. وفي شأن الماء.. قالت البحوث العلمية.. كلمتها.. حددت وبعمق.. مشاكل المياه الجوفية.. أثبتت.. أن جور التجاوزات الزراعية.. لا يمكن علاجه.كتبت أيضا عن مشروع الري والصرف بالاحساء مع بداية التسعينات من القرن الماضي.. موضحا أن المشروع أصبح أداة لاستنزاف المياه الجوفية.. الشهر الماضي اقتنعوا بتغيير نظام نقل المياه ليكون عبر أنابيب.. بدلا من القنوات الاسمنتية المفتوحة جبروت استنزاف المياه الجوفية تسبب في نضوب حاد وسريع.. مياه ثمينة لا يمكن تعويضها.. لست بصدد الحديث عن كيفية ذلك.. لكن أن تستمر الأخطاء والتجاوزات.. فذلك موضوع حديث يجب أن يستمر ويتعاظم. بداية تسعينات القرن الماضي.. حذرت من التوسع في زراعة القمح.. اعتبروه تحذيرا خارجا عن المألوف.. رفعوا اتهامي بالغناء خارج السرب.. قالوا يبحث عن شهرة.. ولأني أرى ما لا يرون.. تمسكت بكفاحي عن المياه الجوفية حتى اليوم. بعد (20) عاما من التحذير.. اكتشفوا خطأهم.. منعوا زراعة القمح.. لكن بعد صرف أكثر من (70) مليار ريال لشرائه من هوامير زارعية.. بجانب استنزاف مليارات الأمتار المكعبة من المياه الجوفية غير المتجددة.. لكي تقفوا على عمق المشكلة.. بلغ ثمن المياه التي استهلكها القمح في موسم واحد أكثر من (88) مليار ريال.. وعليكم الحساب مع هذا الرقم الفلكي بقية المواسم الأخرى. تلك معضلة العقل الذي لا يرى إلا بعين واحدة.. لا يؤمن بالتخطيط.. يتجاهل الحقائق.. يكرس الاجتهاد والاندفاع العشوائي بديلا لمنطق البحوث والعلم.. مازال الوضع قائما بصور مختلفة.. كيف نُخضع مصالح البلاد والعباد والأجيال القادمة للاجتهاد؟! كتبت الكثير عن المياه الجوفية.. قوبلت بالتجاهل.. كتبت أيضا عن ضرر زراعة الشعير والأعلاف.. توسعت في الكتابة عن عشوائية التوسع الزراعي.. المياه الجوفية ضحية التخبط والاجتهادات.. البعض يسعى للثراء على حساب الأجيال القادمة.. هناك أنظمة سمحت وتسمح بممارسة الزراعة المُضرة.. وإلا كيف يتم السماح بالتوسع في زراعة أشجار الزيتون في مناطق صحراوية تحتاج إلى ري طوال العام؟!.. كيف تتم زراعة فواكه ومحاصيل زراعية ليست ضرورة؟!.. تُباع بأرخص الأثمان.. الماء أغلى وأهم من سعر بيعها في السوق. كتبت أيضا عن مشروع الري والصرف بالاحساء مع بداية التسعينات من القرن الماضي.. موضحا أن المشروع أصبح أداة لاستنزاف المياه الجوفية.. الشهر الماضي اقتنعوا بتغيير نظام نقل المياه ليكون عبر أنابيب.. بدلا من القنوات الاسمنتية المفتوحة.. رصدوا (180) مليون ريال.. لماذا تأخر القرار؟!.. وحتى هذا غير كافٍ.. تأتي الحلول بعد (20) عاما على ما أثيره من تحذيرات.. ناديت أيضا بتجنب بناء السدود.. قدمت البديل.. شرحته مفصلا قبل (20) عاما.. في مجلة اليمامة.. كالعادة إذن من طين وأخرى من عجين. أخيرا طرحت دعوة جديدة.. لن تستوعبها العقول التي لا ترى إلا بعين واحدة.. دعوة تمثل الحل الأمثل لتغذية المياه الجوفية.. باستغلال مياه الأمطار في مناطق الدرع العربي.. شرحت ذلك في سلسلة هذه المقالات.. مازلت أكتب عن هذه الدعوة.. ملخصها.. إنشاء محمية وطنية لحصد وخزن ماء المطر.. حددت موقعها.. ناديت بوقف جميع أشكال النشاط البشري العمراني في المحمية ونقله خارجها.. من التجارب استطيع التأكيد أن استيعاب الدعوة سيتعثر.. يحتاجون إلى (20) سنة قادمة لاستيعاب مدى أهميتها.. عندها سيكون الدرع العربي أكثر تصحرا.. وسنفقد صلاحية أجزاء كبيرة من أرضه وإلى الأبد. أترك للأجيال القادمة حق تقدير الجهد.. ومدى الإخلاص.. وقيمة دعوتي للحفاظ على المياه الجوفية وتغذيتها.. صون المياه الجوفية والتعامل معها بحكمة واجب وطني وأخلاقي وديني.. ولتحقيق أهداف مشروعي لخزن ماء المطر.. نحتاج قرارات شجاعة.. لابد من رسم خارطة توضح رؤيا المشروع وفلسفته.. لابد من وجود خطة وطنية محكمة لها برامج واضحة لتنفيذ المشروع.. وأيضا يحتاج إلى ميزانية وهيئة خاصة تحمل اسم المشروع. التنمية الزراعية في هذه المحمية.. ومن خلال خزن ماء المطر في أرضها.. تنبئ بمستقبل واعد لزراعة مستدامة.. في ظل ماء يتجدد سنويا بتغذية محسوبة وبشكل دقيق.. مقارنة بالاندفاع العشوائي لزراعة القمح والشعير والأعلاف في مناطق الصخور الرسوبية الصحراوية.. أفضت إلى الاستنزاف الجائر المضر بالمياه الجوفية.. استيعاب الدرس لم يتحقق حتى الآن. إذا كان التفريط في المياه الجوفية لا يعتبر جريمة فماذا يكون؟!.. منطقة الدرع العربي هبة عظيمة من الله.. يجب عدم تجاهلها.. يجب فهم أهمية جعل وظيفتها ترتكز على حصاد المطر وتخزينه.. هذه الوظيفة الأهم.. ستحقق وظائف أخرى مهمة.. كفى عبثا.. وتجاهلا.. واستغلالا.. وتدميرا للبيئة.. واستنزافا للمياه.