لَيْه حضْرتَك مكشّر ؟
بيني وبين المرح قطيعة مؤقتة لم أعرف أسبابها. ولو راجعت معالجا نفسيا فقد يظن بي بعضهم الظنون. كما أني من ثقافة لم تألف بعد مراجعة معالج نفسي، مثلما يفعل الخواجات. بل إن عندي موعدا مع طبيب «مخ وأعصاب»، وكلمة «مخ» تزعجني. فأنا أتوهم أنني حكيم زماني، ومخي يعمل بكفاءة ستين حصانا. حتى الرحلة التي قمت بها مؤخرا إلى اسطنبول لم تغير مزاجي. وربما زادت الطينَ بِلَّة، لأني حُرِمت من الكبسة طيلة وجودي هناك. وعندما عدنا هجمت على الكبسة متمثلا في بيتِ شعرٍ من قصيدةٍ ضاحكة للأستاذ محمد العلي يقول فيها : «إذا ما كبسةٌ طُبِخَتْ ولاحتْ فشمّرْ قبل أن يَفنى الأرزُّ»!من المستبعد أن يكون لارتفاع أسعار الكافيار علاقة بهذا الاكتئاب، لأنه ليس ضمن أمننا الغذائي، وارتفاع سعر «بيض السمك» لا يعنينا إذا حافظ «بيض الدجاج» على سعره. هل أخبار هروب الشغالات هو السببأود أن أعرف سبب هذا الاكتئاب، فالتشخيص نصف العلاج. وكما يقول حسني البورزان: «إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، علينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل»! لكني أرجو أن أحقق نتائج أفضل منه، فقد انتهى مسلسل (صح النوم) دون أن يعرف ماذا يجري حوله، ناهيك عن البرازيل أو إيطاليا. هل سبب تكشيرتي حفريات الشارع؛ تلك الحفريات التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد؟ في كل صباح أستيقظ على جعجعة آلات الحفر الثقيلة. وأتساءل محرّفا قول الحصري القيرواني:»يا يوم الحَفْر متى غَدُهُ أقيام الساعة موعِدُهُ»! ولأنه لا توجد لوحة تدل على هدف تلك الحفريات، فقد اتصلت بأحد أعضاء المجلس البلدي فأخبرني - والعهدة على عضو المجلس - أنه مشروع لتصريف أمطار الحي الفلاني. ومعنى ذلك أن حينا مجرد منطقة ترانزيت لهذه الأنابيب العملاقة، مع أن شارعنا يتحول شتاءً إلى أحد شوارع البندقية ولكن دون «جندول»! لا أظن أن هذا هو سر اكتئابي. فقد ألفنا تلك الحفريات منذ الصغر. لعل نشرات الأخبار هي السبب، وقد عبرت مرة عما تسببه تلك النشرات من مشاكل جسدية ونفسية فقلت: «زار الطبيبَ يشتكي من ارتفاعِ الضغطِ والدَّوخةِ والدّوَارْ/ والأرقِ الدائمِ بالليلِ وبالنّهارْ/ جسَّ الطبيبُ جسمَهُ من قمّةِ الرأسِ إلى الأظفارْ/ ثم انتهى من فحصه وقال: «لا تستمعْ لنشرةِ الأخبار»!! لا أظن أن للأخبار علاقة، فقد نتأثر بما نراه من دمار للحظات، ثم سرعان ما نمارس حياتنا وكأن شيئا لم يكن. مذيع النشرة نفسه ينهي نشرته المأساوية بابتسامة عريضة. ومن المستبعد أن يكون لارتفاع أسعار الكافيار علاقة بهذا الاكتئاب، لأنه ليس ضمن أمننا الغذائي، وارتفاع سعر «بيض السمك» لا يعنينا إذا حافظ «بيض الدجاج» على سعره. هل أخبار هروب الشغالات هو السبب؟ لا أظن، فليس عندي شغالة ولا سائق. وليس لي في الأسهم ناقة ولا جمل. لذلك لا يعينني ارتفاع أو هبوط مؤشراتها. ولم أخسر في مسابقات «مزاين الإبل». وما أكثر الأشياء التي لا تزعجني! إذن، أين يكمن الخلل؟ يبدو أنني قد اكتشفت للتو سر تلك التكشيرة، فيدي لم تلامس قلما ولا ورقة منذ نصف شهر، إذا استثنيت الجريدة الورقية وفواتير الكهرباء والماء والهاتف الثابت والمحمول وبطاقات الائتمان. لذلك فإني أشعر بتحسن مزاجي بعد كتابة هذه السطور. وقد فهمتُ، الآن، معنى أن يقول أحد الكتاب: إنه يكتب لكي لا يلجأ للعيادة النفسية. وأدركت لماذا يرى آخر أنه بالكتابة يدافع عن نفسه ضد الخراب بكل أشكاله، ولماذا يقول ثالث: إنه يكتب لكي لا يشعر بالوحشة.