حديث في التقارب
سرعة وتيرة الأحداث التي تشكل مسارات العلاقات الدولية يضع المراقب المعاصر أمام نوع من التحدي مع الزمن والقدرة على استيعاب ما يحدث وبالتالي فهمه، وتفسيره وتقديمه للناس بعد تحليل أبعادة وفهم رموزه، ولعل أسرع حدثين في الفترة الاخيرة تنطبق عليها المقدمة السابقة، هما الخيار الأمريكي لتغليب الرؤية الدبلوماسية وإحياء المسارات التفاوضية مع الأطراف الدولية فيما يتعلق بالشأن السوري وحل معضلة خروج النظام في سوريا من المشهد السياسي العام . أما الحدث الآخر فهو ما أصبح يعرف اعلاميا وسياسيا إلى حد ما «بالتقارب الأمريكي الإيراني» قصة هذا التقارب بدأت كما هو معروف بإشارات من الطرف الإيراني ذات صلة بمواقف للنظام من قضايا سياسية دولية وداخلية وقضايا ثقافية أيضا. وتعززت هذه الاشارات بالمكالمة التاريخية العجيبة التي لم تدم لأكثر من خمس عشرة دقيقة بين أوباما وروحاني، بعد أن تعذر اللقاء المباشر بين الرجلين لأسباب لا نعرفها.الدول العربية عليها إظهار مزيد من الجدية والشراسة في الدفاع عن مصالحها، وهي في الحقيقة تمتلك بعض الأدوات التي تمكنها من ذلك. ويكفي هذه الدول تحمل المراوغات السياسية من الجار الإيراني، وعدم تقدير إخلاصها وصدقها مع الحلفاء الدوليين. إلا أن المكالمة أصبحت نقطة التحول التي انساق وراءها الكثيرون لتوصيف العلاقة بين البلدين وللحديث بتفاؤل أنها أي العلاقات تسير إلى الانفراج. ما حدث حتى الآن يعتبر «تغيرا» في شكل طبيعة العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة الامريكية والغرب عموما وبين إيران بتعقيداتها السياسية والأيدلوجية الداخلية وموقعها وتأثيرها في منطقة حساسة ومهمة للعالم. محددات العلاقة بين الطرفين مجموعة من القضايا الشائكة المغلفة بغطاء سميك من عدم الثقة، أبرز هذه القضايا ملف إيران النووي والخوف مما قد يترتب تطوره من تغيير نوعي لوزن هذه الدولة على المستويين الإقليمي والدولي، إضافة إلى موقف إيران من الثورة في سوريا، ودعمها لحركات وأحزاب مصنفة دوليا على أنها جماعات إرهابية. ولمواقفها المعاكسة للاتجاه الدولي الغالب في بعض مناطق التوتر والنزاع مثل أفغانستان. وبالعودة للمكالمة العجيبة التي يفهم منها أنه تم الاتفاق على تسوية خلاف العقود الماضية سلميا. قد يكون من الافضل اعطاء كل تلك النوايا والتصريحات الوقت الكافي لتفعيلها واختبارها، ومنحها فرصا متساوية من النجاح ومن الفشل في ذات الوقت لان هذا هو طبيعة العلاقات الدولية ببساطة، ما يقلق المراقبين في المنطقة السؤال حول الاطراف التي قد يكون جزء من هذا التقارب على حساب مصالحها. بعبارة أخرى إذا استطاعت الدبلوماسية الأمريكية والغربية تقليم مخالب إيران وعدم تمكينها من دخول النادي النووي، فان ذلك سيكون اتفاقا مفيدا للعالم وللإقليم بالدرجة الأولى، لكن هذا الانجاز في حال أن تم يحتاج إلى ثمن يتقاضاه الطرف الإيراني. السؤال هنا ماذا يتوقع أن يكون ثمن تخلي إيران عن برنامجها النووي؟ وهل ستكون دول الجوار الإيراني معنية بدفع جزء من ذلك الثمن؟ دول المنطقة وإن رحبت بعملية التقارب فإنها في الواقع تقبله على مضض لان هذا هو منطق الحركة العامة لعلاقات الدول، وتبقى الأطراف الإقليمية في وضعين متمايزين إلى حد بعيد «إسرائيل» ومن المؤكد والمعلن أيضا أن صانع السياسية الأمريكية العامة يضع مصلحتها وتفضيلاتها الأمنية والإستراتيجية في مرتبة متقدمة، إضافة إلى أن إسرائيل لديها القدرة على التأثير السياسي على الإدارة الأمريكية عبر الضغط على حلفائها التقليديين في مؤسسات صنع السياسية العامة في أمريكا «الكونجرس» وأهم من كل ذلك أنها تملك القدرة العسكرية الفعالة التي تهدد بها المنشآت النووية الإيرانية منذ 2005م حسب تقارير دولية. من هنا نفهم ان هذا الطرف الإقليمي سيجد من السبل ما يعزز مواقفه ويعظم من مصالحه ضمن علاقته الاستراتيجية بأمريكا والغرب من خلال عملية التقارب تلك. الجانب الاقليمي الذي عليه الشعور بالقلق الحقيقي من هذا التقارب حتى وإن لم تصبح إيران حليفا استراتيجيا لأمريكا وللغرب عموما هو الجانب العربي. ويجب على العرب التخلي عن بعض الإشارات والمواقف التي تحمل معنى الغضب أو عدم الرضا مما يحدث في منطقتهم بين القوى العظمى وإيران، لان مثل هذه الإشارات تعني أحيانا في العلاقات الدولية عدم الاكتراث، وتعني أيضا ضياع المستويات الدنيا من مصالح الدول العربية في أي اتفاق أو تسويات تشهدها المنطقة. الجوار العربي لإيران حليف استراتيجي موثوق لأمريكا وللغرب ولم يخل يوماً بالتزاماته الدولية السياسية والاقتصادية. وإذا كان الغرب حريصا فعلا على مصداقية من الجانب الإيراني وشفافية فلا بد أن يكون الطرف العربي شريكا حقيقيا في الحوار والمشورة في أي اتفاقات تحدد مستقبل المنطقة. الدول العربية عليها إظهار مزيد من الجدية والشراسة في الدفاع عن مصالحها، وهي في الحقيقة تمتلك بعض الأدوات التي تمكنها من ذلك. ويكفي هذه الدول تحمل المراوغات السياسية من الجار الإيراني، وعدم تقدير إخلاصها وصدقها مع الحلفاء الدوليين.