متطرفون دائما
هل يستطيع أحد منا تغيير الانطباع أو الصورة الذهنية التي يتركها الطرف المقابل له في موقف حدث، سواء في مناسبة تتعلق بالعمل أو في تجمعات موسمية للأقارب أو حتى مع أصدقاء الدرجة الأولى أو الثانية.؟ قد نظن أننا موضوعيون في تقييمنا للمواقف والأشخاص الذين نتعامل معهم، لكن حقيقة الواقع الثقافي والسلوكي الذي وجدنا فيه تقول غير ذلك. كثيرون هم من يحجمون عن التواصل والتفاعل مع شخص جمعهم به سوء تفاهم أو مشكلة معينة،أعرف رجل علم كانت تعجبني حكمته وتبهرني نظرياته في الموضوعية، تعلمت منه الكثير، لكن موضوعيته الكبيرة اهتزت في اختبار عابر وضعه له الزمن. أختم حديثي بقول الدكتور مصطفى محمود رحمة الله عليه: إذا رأيت الناس تخشى العيب أكثر من الحرام، وتحترم الأصول قبل العقول، وتقدس رجل الدين أكثر من الدين نفسه، فأهلا بك في الدول العربيةليس فقط بسبب ضغينة في النفس أحدثها الموقف وشكلت حاجزا للتواصل في المستقبل، بل لأن الصورة الذهنية والانطباعية التي تشكلت عن الطرف المقابل بسب الموقف السابق وضعته في عداد الأشخاص السيئين. هناك وضع أكثر سوءا من حال الفئة الأولى التي تبني أحكامها على المواقف العابرة، وهي تلك الجماعة التي تبني نمطها الانطباعي عن طريق السمع، فهي تفتح آذانها جيدا وتنصت لما يقوله الناس عن فلان من البشر، ثم تتعامل معه في المواقف المستقبلية بناء على الأثر الذي تركه الآخرون في ذاكرتها. هناك نظرية تقول إن المجرم يعود مجرما بعد خروجه من السجن وانتهاء فترة عقوبته، ليس لأن الإجرام متجذر في فطرته أو لأنه لم يستطع التخلص من سلوكه المنحرف، بل لأن المجتمع وصمه بالانحراف المطلق ولم يحرره من الخزي الذي لحق به سابقا، فهو مشبوه في عمله إن وجد ونسبة التوجس من المحيطين به مرتفعة جدا، يعزز هذه النظرية فرضية أخرى تؤكد أن الإنسان يتصرف وفق ما يراه الآخرون فيه، فالذكي يزداد ثقة وذكاء عندما يسمع عبارات المدح والثناء له، وذات الأمر ينطبق على الأقل ذكاء فعندما يصم الأب أحد أبنائه بالغباء أو يفعل ذلك أحد المعلمين بتلميذه فسنتوقع بنسبة عالية أن يتصرف الابن أو التلميذ على هذا الأساس وسيصبح بالفعل غبيا وفاقد الثقة بنفسه يتكل على غيره في كثير من قرارات حياته لأنه يرى في ذاته عدم الكفاءة لفعل ذلك بالاعتماد على تفكيره وحساباته. النظرية السابقة تصدق في علاقتنا الصغيرة والكبيرة مع الآخر فعندما نضع الثقة والاحترام باعتدال مع الطرف الآخر مهما تعددت زلاته الصغيرة فسيصبح أهلا لها لاحقا، أما لو أبدينا سوء النية أو انعدام الثقة والتوجس العالي فيه، فحتما سيكون في هذه الدائرة التي رسمناها له. كثيرون منا هم الانطباعيون وقد تهلهلت علاقتنا بالآخرين بسبب ذلك، زاد الوضع حدة أننا لا نتسامح مع أخطاء الآخرين ولا نعطي فرص ثلاثية لنحكم على بعضنا بل نخرج الحكم من طرف جيوبنا في أول موقف مضطرب مع الآخر. كما أننا نعاني من التطرف الزائد في المحبة والكراهية فعندما نحب شخصا أو (جهة معينة) نفرط في الثناء عليها وتقديسها وتبرير أخطائها مهما عظمت، وعندما نكرهها نفرط في تعداد سيئاتها ولا نرى حسناتها شيئا مهما برزت. هذه النظرة الانطباعية لا تتعلق بالمتعلم أو الجاهل، فهي سمة ربما في الشخصية السعودية وربما العربية بشكل عام. .