مطلق العنزي

حرية التعبير.. الفيلم الهندي..!

«الملتقى الإعلامي الخليجي الأول» الذي اختتم في البحرين يوم الأربعاء، خاض في الرمال المتحركة، وارتمى في لهيب الاشتعالات، حينما طرح قضية شائكة قديمة جديدة، أعيت عتاة المنظرين في عالم الصحافة والنشر، وهي المواءمة بين حرية التعبير وضرورات الأمن القومي.وهموم هذه القضية ألمت بكل مجتمعات الأرض تقريبا،ً من جزر التوابل وأرخبيلها حتى شاهقات لاباز وعلوها. فهي «فيلم هندي» حتى في البلدان المتقدمة، إذ لا يزال الأمريكيون، كهنة «الميديا» وأربابها طويلو البيعان، يطرحون هذه القضية باستمرار، ومع كل قنبلة يفجرها، في بوسطن أو في أوكلاهوما مثلاً، مهووس مشحون بالكره والغضب والضيق والضلال والبلاهة معاً.في الملتقى، طرحت حسب ما قرأت، تنظيرات متنوعة في شئون ثقافة الاتصال، وهمومها التي أصبحت تترى، بعد أن اخترع عبقريو التقنولوجيا الصلع المزيد من فنون التواصل والاتصال.متحدث ينافح عن حرية التعبير، وآخر يدافع عن الأمن القومي، مع أن «حرية التعبير» اصطلاح مطاط، ويختلف من شخص لآخر ومن ثقافة لأخرى ومن جغرافيا لجغرافيا، فهناك من يرى أن شتم الآخرين وإهانة مقدساتهم حرية تعبير، ولكنه يحرم المساس بمقدساته أو شخصه. وأتاح هذا «المط» لصحيفة مثل «يولاند بوست» الدنماركية أن تقرر إهانة مليار ونصف مسلم حينما نشرت عام 2006 رسوماً مسيئة لمتمم مكارم الأخلاق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وهي بذلك استغلت المصطلح؛ لتدس كرهها وسفاهتها وتصفي حسابات تاريخية وفكرية وأحقادا شخصية.واصطلاح «الأمن القومي»، مطاط أيضاً، وهو عند بعضهم أكثر «تمططاً» وقابلية للتمدد، ويمكن لأحدهم أن يصنف أي تصرف، مثل انتقاد قرار وزير، على أنه إثارة للرأي العام وبالتالي عدوان على الأمن القومي. وبعضهم لا يرى بأساً أن يتحالف مع الشيطان ضد وطنه وأهله، ويشارك في مؤامرات دنيئة، ولا يرى في ذلك مساً بالأمن القومي. وهنا تصبح المسألة «أنا» شخصية ومزاجية أيضاً.ونذكر الشعار الشهير «تنتهي حريتي حينما تبدأ حرية الآخرين». وهو الشعار الذي ذبحته الأمم، ومنها «أمة العرب أوطاني»، لفظاً وتقليباً وتكرارا،ً إلى أن أصبح خردة بالية «تتبخر» أحياناً حينما تتخضم كبرياء الجهل والهوى، وتتورم المخيخات الفارغة. ويردد الشعار كثير من الذين أهم بطولاتهم هي مصادرة حريات الآخرين، وبيعها في أسواق الشعارات.ورأيي أن تستعين المحاكم بفريق من صحفيين محترفين «عدول» عند النظر في تهم إساءات حرية التعبير، لينيروا القاضي ويحكم على بيان. وكل حال بحالها. إذ لا يوجد تعريف محدد لحرية التعبير ولا للأمن القومي، ولا يمكن التقنين بشأنهما سوى بالعموميات المطاطة.وترها هي تمسك بالشمس العذراء، قبل أن تودع شفقها.وتوزع ضياءها، سبيلاً، لوجوه يتامى منهكين..وتزرع للخطى المتعبة نوراً.وبلاسم جراح..ومضاداً لعنا الدروب الموجعات..وسدرا للجنائز.