د. ابراهيم العثيمين

اليوم الوطني: قراءة في المسار الدستوري

تشرفت بأستضافة الامير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة القصيم  في مكتبه ودار الحديث حول مدينة درم ( في بريطانيا)  حيث انا والدكتور فيصل تخرجنا من نفس الجامعة وكنا تحت اشراف نفس المشرف البروفسور احتشامي ثم تحول الحديث الى المحاضرة التي القاها الدكتور فيصل في جامعة القصيم تحت عنوان ( النظام الأساسي للحكم - قراءة فكرية ) والتي نظمتها الجمعية العلمية السعودية للدراسات الفكرية المعاصرة في الجامعة وذلك في مركز الملك خالد الحضاري بمدينة بريدة.  تحدث الدكتور فيصل بأسهاب وموسوعية عن تطور النظام الاساسي للحكم وهو متخصص في هذا المجال  وله عدة مؤلفات من بينها كتابة القيم (التطور السياسي في المملكة العربية السعودية وتقييم مجلس الشورى) والذي كتب مقدمته ولي العهد الامير سلمان بن عبدالعزيز. يقول الدكتور فيصل ان الملك عبدالعزيز عند دخوله للحجاز اصدر اول بلاغ له في 12 /5/1343هـ  الموافق 1924م  وهو بمثابة نص الدستوري حيث يقول فيه " الأمرَ في البلادِ المقدسةِ شُورَى بين المسلمينَ، وأن مصدرَ التشريعاتِ والأحكامِ لا يكونُ إلا مِنَ الكتابِ والسنةِ والفِقه". كما اكد هذا في  بلاغ اخر عام 1344هـ  الموافق 1925م يقول فيه : " يجِبُ أن يكونَ السلطانُ الأولُ والمرجعُ للناسٍ كافةً الشريعةَ الإسلاميةَ المطهرة ". وكما ذكرت ان هذا النص كما اوضح الدكتور فيصل واوردة في كتابة (التطور السياسي في المملكة العربية السعودية وتقييم مجلس الشورى) هو نص دستوري يكشف عن طبيعة وشكل الحكم ومنهجه والنظام العام للبلاد.وعليه يتضح لنا ان صدور النظام الاساسي للحكم كان نتيجة وثمرة لجهود وتوجهات بدأت منذ الملك عبدالعزيز رحمة الله وتم اعداده وصياغته بعد دراسة دقيقة متأنية من قبل نخبة من رجالات الدولة من اهل العلم والرأي والخبرة، فجاء بهذا المستوى الرفيع من الدقة والاتقان. وجاءت موادة ونصوصه مستمدة من قواعد الشريعة الاسلامية من اجل ارساء مباىء راسخة سارت عليها الدولة منذ تأسيسها، وتلبيةً لظروفِ المرحلةِ ومتطلباتِ التطور السياسِيَّ والاقتصاديَّ والاجتماعي الذي تعيشُهُ البلاد ولعلي هنا بالرجوع الى كتاب الدكتور فيصل القيم ومجموعة من المراجع الاخرى ان  احدد ثلاث مسارات رئيسية مر بها الحراك الدستوري بالمملكة العربية السعودية منذ العام 1345هـ الموافق  1926م :المسار الأول: دستور 1345هـ  فبعد دخول الملك عبدالعزيز الحجاز ومبايعة اهل الحجاز له في عام 1344هـ الموافق 1925م امر بتكوين هيئة تأسيسية من ثمانية أعضاء تم انتخابهم بالاقتراع السري من قبل ممثلين عن جميع مدن الحجاز، وذلك لوضع تنظيم للحكم وخلال سبعة اشهر من تكوينها تم وضع التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية، وصدرت موافقة الملك عليها بتاريخ 12/2/1345هـ  الموافق 22/8/ 1926م وتتكون من تسعة أقسام تنظم جميع السلطات في المملكة الحجازية حينها تنظيما تفصيليا.ومما يستحق الملاحظة بإعجاب، "ان هذه التعليمات الأساسية تم إعدادها عن طريق هيئة تأسيسية، معظم أعضائها منتخبون بالاقتراع السري والبعض الأخر معينون وهذا الأسلوب يعد من ارقي أساليب إعداد الدساتير" فقد وضعت كثير من الدساتير عن طريق الجمعية التأسيسية ومعظمها من دول امريكا الشمالية بعد استقلالها عن بريطانيا كما ان دستور الولايات المتحدة الامركية الاتحادي وضع بهذه الطريقةالمسار الثاني: دستور 1355 ففي 19 سبتمبر 1932 الموافق 17/5/1351هـ صدر أمر ملكي بتوحيد البلاد تحت اسم "المملكة العربية السعودية" وذلك ابتداء من 23 سبتمبر 1932 تضمن في مادته السادسه ان على مجلس الوكلاء " وضع نظام اساسي للمملكة، ونظام لتوارث العرش، ونظام لتشكيلات الحكومة". وقد  أقرَّ مجلس الشورى انذاك في دورته لعام 1355هـ الموافق 1936م مسودةَ مشروعِ النظام الاساسي للمملكة العربية السعودية ويقع في (140) مادة وتم رفعه للملك للمصادقة عليه، ولكنه لم يصدر، ويعيد بعض الباحثين السبب في ذلك إلى المتغيرات والقلاقل الدولية ونشوب الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى إن الامكانات المادية للمملكة في ذلك الحين لم تكن بالقدر الذي يمكنها من توفير متطلبات هذا التطور في مؤسسات الدولة وأجهزتها، ومن تنفيذ خططها وبرامجها الانمائية التي كانت تتطلب مبالغ مادية كبيرة لا تستطيع الحكومة توفيرها في ظل تلك الظروف.المسار الثالث:  دستور 1412يعتبر النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية الذي صدر عام (1412هـ) في عهد الملك فهد بن عبد العزيز (رحمه الله)، نقطة التحول في العمل السياسي في المملكة العربية السعودية. بدأت نواته في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز ( رحمة الله) . حيث اصدر في عام 1400هـ  الموافق 1979م امرا ملكيا بتشكيل لجنة رفيعة المستوى من عدد من الخبراء المختصين والمسئولين البارزين لوضع كل من النظام الاساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المقاطعات في صيغتها النهائية، تمهيدا لاقرارها ووضعها موضع التنفيذ، وقد تشكلت اللجنة برئاسة الامير نايف بن عبدالعزيز رحمة الله وقد بذلت هذه اللجنة جهودا متواصلة من الدراسة والتفكير والمراجعة.  وفي عام 27/8/1412هـ صدر النظام الاساسي للحكم ضمن الانظمة الثلاثة التي اصدرها الملك فهد رحمة الله بالامر الملكي رقم ( أ / 90 ) . وقد اكد على ذلك الملك فهد بن عبدالعزيز رحمة الله في كلمته التي وجهها للمواطنين بمناسبة صدور هذه الانظمة، عندما بين بوضوح وبكل قوة  أن المملكة العربية السعودية قامت على منهج الإسلام الثابت الذي لا يخضع للتغير والتبديل وقال " لقد أستدعى تَطوًّرّْ الحياةِ الحديثةِ أن ينبِثقَ عن هذا المنهجِ أنظمةُ ُ رئيسيةُ ُ في عهدِ الملكِ عبدِالعزيز ... وقد استمر العمل بهذا المنهج حتى يومنا هذا .. وإن إصدارنا اليوم للأنظمة الثلاثية توثيقُ ُ لشيءٍ قائِمٍ وصياغةُ ُ لأمرٍ واقعٍ معمولٍ به ... وقد صِيغتِ الأنظمةُ على هَدْيٍ من الشريعةٍ الإسلامية " . ولعلي في مقالي القادم اتحدث عن مسار رابع ومهم وهو تعديل دستور ( نظام الحكم ) 1412 من خلال تطوير هيئة البيعة والتي اسست بأمر من الملك عبدالله حفظه الله وتعني باختيار الملك وولي العهد.