سمير عطالله بـ«الألوان الطبيعية»..!
من تقاليد العرب في الجاهلية الأولى وفي جاهلية «الستلايت» أن يكيلوا المدح أو الهجاء أو التشبيب. ولا يوجد أي اختلاف بين عصر الحطيئة و«قالوا لأمهم بولي على النار».. وبين صغار «المهايطين» في استديوهات الفضائيات العربية، وما ينفثونه من سيول الشتائم وديابيج المدح الشللية. ولم تسلم من هذا الوباء سوى فضائيات قليلة، وإن انتابتها في مناسبات ميكروبات «العرق الدساس».ومضى شطر من تاريخ الأمة يسبح بملكوت الحكام المهرجين المتألهين، مثل القذافي وأضرابه، وكبراء نظارهم ومساعديهم وحتى خدمهم وسائقيهم، إلى أن أصبحت التلفزيونات العربية ومذيعوها الأراجوزيون نكتة تسير بها ركبان الجامبو وموجات الأثير.وكان هؤلاء المهرجون أكثر ما يسخطون على الصحفيين المحترفين والكتاب المستنيرين، طباقاً وفاقاً مع شيمة الجهلة والضاربين على دفوفها. لهذا أبعدوا الكفاءات وأعطوا الوجاهة لمهرجي الصحافة وبلهائها وكساحى الكتابة. فبات الإعلام العربي الرسمي ليس أقل من «غث» يجثم على صدر المواطنين في الصباح والمساء. فلا يمكنك أن تتحمل لدقائق قراءة صحيفة «الزحف الأخضر» الليبية أيام جنون «النظرية الثالثة»، أو «الجمهورية» العراقية، أيام صدام، أو «الثورة» السورية في هذه الأيام وفي أيام الأسد الأب، وورث هذا التراث السقيم المهين الزز ابن أيضاً.لهذا هاجر المبدعون، من أمثال سمير عطالله، الكاتب الساحر، يسعون في مناكبها، فوجدوا لهم في لندن موئلاً ومستقراً ومتنفساً وجنة حرية يتألمون ألا ينعم بها إخوانهم في الوطن الأم، وفي أوطان الأمة.سمير عطالله، كاتب مبدع، ناقد بأدب وبمعرفة وبموهبة، ليس شتاماً ولا مداحاً.ولأنه كاتب ملتزم، فهو يلزم نفسه بالقراءة و«التعلم»، كما يقول وكما يبدو، لهذا يرى الأحداث والأشخاص بالألوان الطبيعية، كما هي وليس كما يتمناها. وفرق واسع بينه والذين سجنوا أنفسهم في ظلمات النفس ونزقها وشهواتها والأماني والخيالات الحالمة الطوباوية أو أمراض سوداوية الغرور وطباق الجهل.قرأت حديث سمير عطالله إلى صحيفة «سبق»، في كل جملة درس، وفي كل فقرة «محاضرة معرفية»، وتمنيت لحظتها أن يقرأه كل الكتاب والصحفيين العرب، كي يعرفوا أن الكاتب المبدع مشروع مجهد ومكلف وعنيد ونادر التحقق، وفردوس فقيد ومفقود، وليس مثلما يتخيله الذين يكتبون بـ«أرجلهم»، سيول من السطحيات، حاضرة بكثافة ولا تكلف سوى فتح الصنابير.سمير عطالله تألق، لأنه كاتب بلا أوهام، ويحاول الاغتسال يومياً من أدران الجهل التاريخي للإنسان، وينير قلبه وعقله وروحه يومياً بقبسات جديدة من أنوار المعرفة ونسائمها. وترالمزايدون يصادرون الضوء والرياح ورائحة الثرى..ويعبئون أنفسهم بظلمات الكهوف..ويرفعون عقائرهم بأناشد الآلهة، مباهين باختلاقات مفاتن الوهم.في وقت تتلظى الشموع ببأساء الوجع ولهيب المساومات كي تهدي الخطى المتعبة قبساً من ضياءالفجر وشذى الوادي، وشموخ الشاهقات. وبلاسم لجراح الروح وسلوى لثكالى المآتم.