سَيخرجونَ وسَيُجْلَدُونَ ويُجْلَدُونْ
سيخرجون! سيخرجون وقد أخذوا الأهبة والاستعداد ليكون خروجهم عظيماً في يوم عظيم. سيخرجون وقد طلى بعضهم وجوههم وشعورهم بالأخضر والأبيض. وستسيل بهم «الأبطح» والطرقات والشوارع. وستضيق بهم «الأبطح» والطرقات والشوارع، وسيضيق بهم صبر وتحمل الكبار الذين نسوا أنهم كانوا صغاراً ومراهقين وشبابا. وستضيق بهم المدينة، تلو المدينة في زحفهم البطيء في اتجاه مكان الاحتفال. وسينتهز بعضهم توقف الزحف، كلما تحولت إشارات المرور الى الأحمر، للترجل من سياراتهم للرقص على أنغام الأغاني الوطنية وغير الوطنية، وفي مدى بصر الذين كانوا ذات يوم مثلهم،لن نسمع إلا فيما ندر من يتكلم عمّا حدث بحنو وعطف الأم والاب، من يتحدث وفي داخله صوت يذكره بألاّ يرفع حجراً ليرميهم به، من يتساءل لماذا تضيق مدننا بالمحتفلين، ولماذا لا يكون الشباب مشاركين في الاحتفال وليس مجرد متفرجين، من يتذكر أنه كان مثلهم ذات يوم، وأنه كان سيصبغ وجهه وشعره بالأخضر والأبيض، وسيرقص ويغني، لو كان الوطن يحتفل آن شبابه بيومه العظيم! بورك هذا الوطن العظيم!لكنهم في هذا اليوم العظيم سيتخذون منهم مواقف متباينة: فمنهم من سيتمايل ويترنح داخل السيارات طرباً وفرحاً ومشاركة في الاحتفال العظيم باليوم العظيم، ومنهم من سيمط شفاهه الى ان تكاد تُقَبِّل عجلات القيادة تذمراً واشمئزازاً من المشهد الضاج بعنفوان الشباب وحيويته رقصاً وهزجاً، ومنهم من سيرفع يديه الى السماء تَحَمُداً أو استغفاراً مما يعدُّه ذنباً عظيماً يُقترفُ أمامه، وفي اليوم العظيم. كل هذا يحدث وعدسات الكاميرات مصوبة اليهم، لتلقي القبض على أجسادهم متلبسة بالتثني والتمايل في لحظات تعبيرهم عن فرحهم باليوم الوطني العظيم.وستسيل بهم «الأبطح» والطرقات والشوارع، حتى إذا وصلوا الى مكان الاحتفال الوحيد في مدينة كبيرة كالدمام، وجدوا الحواجز منصوبة أمامهم، وعندها من انتصب كأنه في حالة تحد لهم لِيُفْلِتَ في الفضاء أوامره بأن يعودوا أدراجهم، وأن يذهبوا لأمكنة أخرى، فمكان الاحتفال الوحيد في المدينة قد ضاق بالناس الى حد التمزق، وخصوصا بالعائلات التي يجب أن تفصل بينهم وبينها فراسخ وفراسخ درءاً لوقوع المنكر في اليوم العظيم. وسيديرون صدور سياراتهم في الاتجاهات المعاكسة، وقد يبدر من بعضهم ما يعكرُ صفو الاحتفال العظيم الذي يضيق بهم كل عام، وتضيق بهم المدن التي تفرض على الناس التواجد للاحتفال في مكان واحد، فكأن البلاد ضيقة، وكأنها، وبثرائها، عاجزة عن توفير فضاءات وميادين عامة في كل جهة من الجهات الأربع في المدن، كما في مدن العالم، حيث يتوزع الناس على الميادين والساحات العديدة في الكرنفالات والاحتفالات بالأيام الوطنية، أو أيام الاستقلال وغيرها.وسيعودون منطفئين من مكان الاحتفال- من الواجهة البحرية في حالة الدمام- الى الطرقات والشوارع التي ضاقت بهم في البداية، لكنها ستصبح أشدّ ضيقاً وتبرماً بهم الآن بعد تحول الأجسام الراقصة الى كتل من إحباط ممزوج بالنقمة والغضب، الى حد أن بعضهم لا يستطيع احتواءها في داخلهم، فيقع الشغب والشقاوة، وتتحرك رؤوس الكبار كالبنادل انزعاجاً ونفوراً.في الأيام التالية للحفل هذا العام، كما في الأعوام الماضية، سيكون لوسائط الإعلام المختلفة «يوم حقل/ field day» فيما حدث، لتستأنف جلدها السنوي للذين سالت وضاقت بهم «الأبطح» والطرقات والشوارع، وانغلقت في وجوههم أمكنة الاحتفالات القليلة في المدن.وسيطل من كل قناة وصحيفة الجلادون الذين أخذوا الاهبة والاستعداد لاستئناف فعلهم السادي السنوي. لا موضوع سوى الشباب الممعنين في سلوكهم الشائن والشاذ، عاقدي العزم على إفساد فرح الوطن بيومه العظيم بالتخريب. وستكون يد الجلد طويلة لتصل لمن شاغب أو لم يشاغب، من ترجل أو لم يترجل ليتمايل على ايقاعات الأغاني الوطنية.لن نسمع إلا فيما ندر من يتكلم عمّا حدث بحنو وعطف الأم والاب، من يتحدث وفي داخله صوت يذكره بألاّ يرفع حجراً ليرميهم به، من يتساءل لماذا تضيق مدننا بالمحتفلين، ولماذا لا يكون الشباب مشاركين في الاحتفال وليس مجرد متفرجين، من يتذكر أنه كان مثلهم ذات يوم، وأنه كان سيصبغ وجهه وشعره بالأخضر والأبيض، وسيرقص ويغني، لو كان الوطن يحتفل آن شبابه بيومه العظيم! بورك هذا الوطن العظيم!.